الحركة النقابية والعمالية في لبنان، تاريخ من النضالات والانتصارات

العدد الثالث - أذار ٢٠١٣
الدولة: 
لبنان
الملف: 
الحركة العمالية
تاريخ النشر: 
آذار (مارس), 2013

‭}‬يقدم الحراك النقابي والعمالي، في السنوات الأخيرة، صورة مختلفة عما آل إليه الاتحاد العمالي العام، حيث تحوَّل الأخير إلى دمية بيد أرباب العمل، وحالته المهترئة تستدعي دفنه، وإعادة تأسيس اتحاد عمالي يمثل كل العمال والعاملات في لبنان. من هنا، يبدو أن حالة الامتعاض التي يعانيها العمال والعاملات، في لبنان، آخذة في التجذر. فلقد أطلق مياومو/ات الكهرباء إضراباً مفتوحاً، خلال الصيف الماضي، وعلى الرغم من عدم التوصل إلى تحقيق أغلب مطالبهم، بسبب تواطؤ السلطة العاملة على خصخصة قطاع الكهرباء، وتواطؤ بعض العمال المياومين مع السلطة، على حساب مطالب زملائهم، فهم ينشئون نقابتهم لمتابعة ملفهم ونضالهم من خلالها. كذلك الأمر في شركة سبينس، حيث أنشأ العمال والعاملات نقابة لهم/ن، وقامت إدارة الشركة بتواطؤ واضح من وزارة العمل بشن حملة ضد النقابيين، إضافة إلى ممارستها لشتى أنواع الاستغلال وضرب الحريات النقابية، داخل الشركة، لكن النقابة تستمر في مواجهة هذا التعسف.

كما أن هيئة التنسيق النقابية تقدم نموذجاً مختلفاً عن الاتحاد العمالي العام، من خلال تنفيذ العديد من الإضرابات والاعتصامات، خلال الأشهر الماضية، ومقاطعة تصحيح الامتحانات الرسمية، فضلاً عن بدئها في تنفيذ إضراب مفتوح، بوجه سلطة لا تنفذ وعودها المتعلقة بإقرار سلسلة الرتب والرواتب، وإحالتها إلى المجلس النيابي. وهيئة التنسيق خلال الإضراب الأخير تتعرض لضغوط سياسية من أحزاب وتيارات سياسية ممثلة في الحكومة، لكنها استمرت في مواجهة الحكومة والضغوط في وقت واحد.

من هنا، وحتى لو نجحت هذه الضغوط على هيئة التنسيق، فإن هذا الحراك، الذي تخوض الهيئة تجربته، هو فرصة لمواجهة السياسات التقسيمية، والتفتيتية، على أساس مذهبي وطائفي، لأنه حراك جامع. ويتيح الفرصة، كذلك، لإعادة النظر في دور اتحاد المؤسسات التربوية الخاصة، ومدارسه، مدارس الطوائف والمذاهب، في زيادة الشرخ الطائفي وزيادة التفاوت الطبقي بين الفئات الاجتماعية. وهي مناسبة، أيضاً، لإعادة النظر في النظام التربوي، في سبيل تحقيق تعليم مجاني وديمقراطي وعلماني للجميع.‭{‬ 

مقدمة لا بد منها

رأينا خلال الاشهر الماضية حراكا واسعا للنقابات العمالية في لبنان، من اضرابات واعتصامات، كان اهم ما فيها انها أرجعت الصراع العمالي الى ساحة النقاش السياسي العام في لبنان، كما أنها وضعت مسألة بناء حركة عمالية ثورية في صلب النقاش الفكري والسياسي القائم على مستوى اليسار في لبنان، خاصة وأن الكثير من رموز اليسار التقليدي قد عمد في السنوات الاخيرة إلى دفن مسألة الصراع الطبقي، باعتبار ان الصراع الوحيد الذي يعترف به هؤلاء في لبنان هو الصراع الطائفي.

ولكن إذا ما نظرنا إلى أعمق من القشور السياسية، التي تروجها الطبقة الحاكمة اللبنانية ومثقفوها، نرى فعلياً ان الواقع اللبناني يمتاز بصراع طبقي شرس يمتد إلى حوالى قرنين من الزمن. وهذا ما نسعى الى تبيانه في هذا المقال.

تمتد جذور الحركة العمالية والفلاحية إلى أواسط القرن التاسع عشر، «فبين العام ١٧٩٠ و١٨٦٠، قام المزارعون في جبل لبنان بـ٧ ثورات وإضرابات كبيرة ضد الإقطاع واستطاعوا أن يستحصلوا على ملكية جزئية لأراضيهم. في القرن التاسع عشر، تطورت الرأسمالية في لبنان على خطى الرأسمالية الفرنسية. بورصة مارسيليا تم تأسيسها لتمول صناعة الحرير، وكانت تعتمد بشكل كبير على المصانع في جبل لبنان إلى أن انتقلت الصناعة إلى شرق آسيا. وأدى دخول الرأسمال الصناعي الأوروبي إلى اصطدامه مع العلاقات الاجتماعية والثقافية السائدة، ما دفع الكثير من المزارعين باتجاه أطر عمل صناعية». 1

فالشكل الطائفي الذي اتخذه جزء لا يستهان به من الصراعات الفلاحية ضد النظام المقاطعجي حينها، لا ينفي الصلب الطبقي لهذا الصراع. ويعلل فواز طرابلسي هذه المسألة عندما يقول: 

«إن الذي «سمح» بذلك إنما هو واقع «أن البريطانيين كانوا مصدري أنسجة بنوع خاص، بدلاً من مستوردي المواد الخام، تكمن مصلحتهم الاقتصادية في تسويق سلعهم في السوق السورية، وكانوا مؤيدين للنظام المقاطعجي وللجماعة الدرزية…. أما الفرنسيون فكان عليهم الدفاع عن استثمارات رأس المال الفرنسي الموظفة في اقتصاد الحرير، وإعادة معامل الحرير إلى العمل». 2

وكانت حرب ال١٨٦٠ في جبل لبنان من الدلالات الاكبر على انتهاء النظام الاقطاعي واندثاره امام الصعود المتزايد للنمط الرأسمالي، خاصة مع توسّع القطاع الصناعي (صناعة الحرير خاصة)، والقطاع التجاري الذي توسّع لمواكبة حاجة القطاع الصناعي للرساميل وللتصدير والاستيراد.

النقابات والحركة العمالية: تاريخ موجز

عام ١٩٠٩ أصدرت السلطنة العثمانية أول قانون يتعلق بتأسيس الجمعيات (لا يزال معمولاً به في لبنان إلى هذا اليوم)، وفي عام ١٩١٢ صدر قانون ثان يتعلق بإنشاء الجمعيات المهنية أو الحرفية، مع العلم أن جاك كولان يعتبر أن اسم «نقابة» لن يعرف في لبنان إلا بعد عام ١٩١٩، و«ما تأسس قبل ذلك، لم يكن سوى «جمعيات» (وفقاً لقانون الجمعيات العثماني) غالباً ما كانت تضم العمال وأرباب العمل معاً، وتغلب عليها أهداف التعاون والإسعاف لأعضائها». 3

ففي عام ١٩٠٨ تأسست تعاونية مستخدمي سكة حديد شام- حماه، كما تأسست عام ١٩١٢ أول منظمة نقابية لعمال وموظفي السكة، وتشكلت في العام نفسه جمعية عمال المطبعة الأميركية، التي «اتخذت اسم نقابة ابتداء من عام ١٩٢٦». 4

سعت سلطة الاستعمار الفرنسي منذ البداية الى احتواء الحركة العمالية والنقابية، فرخصت عام ١٩١٩ لاتحاد عمالي عام لم يدم طويلا، واستبدلته بحزب العمال العام في لبنان الكبير، الذي كان من مهامه الدفاع عن السيطرة الفرنسية على سوريا، والدفاع عن الوحدة بين العمال والرأسماليين.

بعد ذلك توالى نشوء المنظمات النقابية، بفعل «التطورات التي طرأت على القطاع الصناعي»، 5 فأعيد إحياء نقابة (جمعية) عمال ومستخدمي شركة سكة الحديد عام ١٩١٩، كما تأسست جمعية خاصة لعمال الدخان في بكفيا عام ١٩٢٢، وأعيد الترخيص عام ١٩٢٣ لجمعية عمال المطابع. وترافق هذا النشوء المتصاعد مع حملة قمعية شرسة شنتها قوات الانتداب الفرنسي شملت حل نقابات وإحالة قياديها إلى المحاكمة، هذا عدا القمع الذي تعرضت له المظاهرات العمالية.

كما حصلت إضرابات عمالية وشعبية عديدة بهدف تخفيض أسعار الكهرباء والترامواي، بالإضافة إلى إضرابات عمال البناء، وصولاً إلى إضراب لسواقي العربات، احتجاجاً على «زيادة الرسوم المالية عليهم». 6 ورغم تصاعد التحركات العمالية في ظل الأزمة الاقتصادية العامة للرأسمالية حينها، فإن الحركة النقابية كانت لا تزال ضعيفة، باستثناء نقابات القطاع الطباعي والصحفي، في الثلاثينيات. ولاحقاً، وفي العقد عينه، تصاعدت الحركات النقابية من خلال الإضراب الذي نفذته نقابة السواقين العموميين، احتجاجاً على الرسوم المفروضة على البنزين، وكان النقابيون يلجأون إلى الزعماء لتحصيل مطالبهم، ولما فشل هؤلاء بذلك ضغط السواقون بهدف تنفيذ الإضراب، وتضامنت نقابة عمال المطابع معهم، فتعرضوا لحملة شرسة شنتها السلطات ضدهم، وضد أصحاب الصحف، كما حلت سلطات الانتداب النقابة، بالإضافة إلى محاكمة القياديين فيها. 7

شهدت الفترة عينها نضالاً ضد تجديد امتياز شركة «ال» الاحتكارية، لكن اللائحة المطلبية تضمنت بنداً لافتاً: «الدفاع عن حقوق الرأسمال اللبناني في استثمار احتكار التبغ»، 8 وهذا دليل واضح على تضامن الحركة العمالية (بدفع من الحزب الشيوعي حينها) مع البرجوازية الوطنية، استرشاداً بنظرية المراحل الستالينية. ولم يمض وقت طويل حتى أضربت جمعية تجار بيروت، وتضامن معها الحزب عينه، من خلال بيان يعلن فيه «احتجاجه ضد الاستعماريين الفرنسيين والرأسماليين الأجانب، الذين يريدون إفقار الشعب». 9 

كذلك عمدت سلطات الانتداب إلى إنشاء نقابات ذات طابع طائفي بغية شرذمة الطبقة العاملة، مثل: «الجمعية المسيحية لمستخدمي التجارة والصناعة»، و«رابطة الكتاب» في الرهبانية اليسوعية. إلا أن هذه المساعي لم تنفع، حيث، «أخذ الكثير منهم يتمردون على قرار مجلس إدارة «المطبعة اليسوعية». 10

بينما شهدت مرحلة الحرب العالمية الثانية، وما قبل نيل لبنان استقلاله، نوعين من الحراك، الأول يطالب بتأمين نظام الإعاشة خلال فترة الحرب، والثاني مجموعة حراكات شعبية وعابرة للطبقات، بهدف الاحتجاج على السلطات الفرنسية، تحقيقاً لما أصبح يسمى معركة استقلال لبنان.

ما بعد الاستقلال، سعت الحركة العمالية والنقابية إلى توحيد صفوفها، في ظل تصاعد الحركة الاحتجاجية، سواء بالنسبة لنقابة عمال المطابع، أو نقابة السواقين، أو نقابة عمال شركة سكة الحديد والمرفأ، إلى أن تأسس الاتحاد العام لنقابات العمال والمستخدمين في لبنان عام ١٩٤٤، الأمر الذي ادى الى تأسيس نقابات في قطاعات جديدة. وأغلب الإضرابات كانت تطالب آنذاك بزيادة الأجور وتخفيض ساعات العمل، بالإضافة إلى الحصول على الفرص السنوية ودفع أجور أيام الإضراب.

كما شهد العام ١٩٤٥ إضراباً هو الأطول في تاريخ الحركة العمالية في لبنان، إذ نفذه عمال معمل الأصواف الوطنية، حيث طالبوا بالترخيص لهم بإنشاء نقابة، وزيادة الأجور ودفع التعويضات العائلية… واللافت في هذا الإضراب أن من أعلن التضامن معهم إنما هم ممثلو الاتحاد العام لنقابات العمال والمستخدمين، الذي أعلن عن إضراب عام في الجمهورية اللبنانية، لكنه لم ينفذ بسبب: «أن البلاد كانت تخوض معركة الاستقلال وجلاء الجيوش الأجنبية…» وبسبب سفر الممثلين النقابيين إلى باريس «للاشتراك في المؤتمر التأسيسي للاتحاد النقابي العالمي»، 11 ليعود ويحصل العمال على كل مطالبهم، بتدخل النقابيين المذكورين لدى أصحاب المعمل المذكور.

كما ترافق التحضير لإقرار قانون العمل في لبنان، عام ١٩٤٦، مع موجة إضرابات عامة وإضرابات في قطاعات مختلفة، منها: إضراب لعمال وموظفي شركة الكهرباء، بهدف زيادة الأجور والتعويضات العائلية، وحماية الحريات النقابية داخل الشركة. وقد حصل أحد الموظفين (حسن الدرزي) على حكم قضائي نموذجي قضى بدفع زيادة على رواتب العمال، وهذا الحكم سرعان ما التزمت به الشركة، وحذت حذوها شركات البترول. «أما بقية الشركات مثل الريجي وسكة الحديد والمرفأ فقد بقيت مصرة على تعنتها «بعدم الدفع». 12 وقد ترافقت هذه الإضرابات القطاعية مع مفاوضات بين المجلس النيابي وأصحاب العمل، واتحاد نقابات العمال والمستخدمين، حول قانون العمل.

الحكم المذكور أعلاه كان دافعاً لعمال وموظفي شركة الريجي، للمطالبة بتطبيقه عليهم. ولما لم تلقَ مطالبهم آذاناً صاغية من الشركة، أعلنوا الإضراب في فروع الشركة، وترافق ذلك مع حملة تعسفية بحق العمال حيث طردت الشركة عدداً منهم، ونقلت آخرين إلى مراكز بعيدة عن مكان سكنهم، فرد العمال بالإضراب واحتلال مكان العمل، إلى أن قامت القوى الأمنية بإطلاق النار على العمال والعاملات، حيث استشهدت العاملة وردة بطرس، ووقع عدد كبير من الجرحى. وعلى الرغم من تعنت الحكومة ومعها الشركة تمكن العمال والعاملات، بفضل التضامن العمالي والنقابي، من الحصول على المطالب، بعد أن استمر الإضراب مدة شهر. هذا وقد فسح إضراب عمال الريجي في المجال أمام موجة إضرابات، في قطاعات مختلفة، للحصول على ذات المطلب: عمال وموظفو شركتي الحديد والمرفأ، موظفو بنك سوريا ولبنان، عمال وموظفو بلدية بيروت…. إلى أن أقر مجلس النواب في ٢٣ أيلول/سبتمبر من العام ١٩٤٦ قانون العمل، الذي على الرغم من الثغرات الكثيرة فيه، يعتبر أهم انتصار تنتزعه الحركة النقابية والعمالية، في لبنان.

شهدت مرحلة ما بعد إقرار قانون العمل صراعاً بين النقابات والحكومة، لكي تنال التراخيص اللازمة لكي تصبح «شرعية»، بموجب هذا القانون، وفي الوقت عينه تكثَّف البحث لتشكيل اتحاد عام يضم جميع النقابات اللبنانية. وشهد العام ١٩٤٧ موجة واسعة من الإضرابات، إذ بلغت ١٠ إضرابات في قطاعات مختلفة، وفي الوقت عينه شنت الشركات الأجنبية (أكثر من ثماني شركات) موجة تسريح جماعية للعمال (٦٣٥ عاملا). ويقول البواري إن أكثر من ١٥ ألف عامل قد سرحوا من عملهم، في العام نفسه. كما قامت الحكومة بإغلاق مركز اتحاد نقابات العمال والمستخدمين بالشمع الأحمر، ولكن سرعان ما تراجعت عن هذا الإجراء، بعد ثمانية أيام، في أعقاب تعرضها لضغط عمالي ونقابي واسع.

وفي اليوم نفسه الذي بدأت فيه الحرب التهجيرية، بحق الفلسطينيين في فلسطين، اعتقلت الحكومة اللبنانية مجموعة واسعة من النقابيين، وزجت بهم في السجن، كما أغلقت مكتب اتحاد نقابات العمال بالشمع الأحمر. وقد حدثت ردود فعل على هذه القضية، كما نُفِّذ إضراب عام في ٢ تموز/يوليو 1948 استكملت خلاله الحكومة حملة الاعتقالات بحق النقابيين، لا بل تعرضت تظاهرة الأونيسكو، في ١٩ تشرين الثاني/نوفمبر، لإطلاق نار من القوى الأمنية، واعتقل العديد من المتظاهرين والنقابيين، ثم حكم على جميع المتهمين بالسجن لمدة شهرين، علماً بأن البعض منهم كان قد أوقف لمدة ثلاثة أشهر. كما تتابعت تلك الحملة الأمنية عام ١٩٤٩ ضد الحركة العمالية، سواء عبر محاولة تعديل قانون العمل، أو عبر استمرار حملات الاعتقالات والمداهمات للمراكز النقابية. كما شهد العام ١٩٥٠ الأمر نفسه، بالإضافة إلى سقوط الشهيد سليمان علي الشريف، برصاص القوى الأمنية. وفي الفترة الممتدة بين عامي ١٩٤٨و.١٩٥: «كان يوجد في السجن بصورة دائمة نسبة لا تقل عن خمسين معتقلاً نتيجة المظاهرات الاحتجاجية». 13 كما شهدت الفترة نفسها، خاصة عامي ١٩٥٠- ١٩٥١ تنفيذ أكثر من سبعة إضرابات، منها ما كان احتجاجاً على الصرف التعسفي والجماعي، وأغلبها بهدف زيادة الأجور.

أما العام ١٩٥٢ فشهد مجموعة هامة، ولو محدودة، من الإضرابات العمالية والنقابية، إذ بلغ عددها ثمانية إضرابات في قطاعات اقتصادية مختلفة. كما تشكلت كتلة النقابات المنفردة، التي رفضت الحكومة بأن ترخص لإنشاء اتحاد فيما بينها، كما حرمتها الحكومة من الإعانات المالية التي تقدم لنقابات أخرى. كما شهد العامان ١٩٥٣- ١٩٥٤ موجة جديدة من الإضرابات العمالية والنقابية، بلغ عددها أكثر من ٢٢ إضراباً شملت قضايا تتعلق بالحريات النقابية وزيادة الأجور، والاحتجاج على الصرف من العمل وتخفيض ساعات العمل، كما شهدت منطقة عكار مظاهرة للفلاحين، احتجاجاً على ظروف عملهم، وطريقة تعاطي ملاكي الأراضي معهم، وتعرضت التظاهرة للقمع الشديد على يد القوى الأمنية.

وتزايدت الاحتجاجات الشعبية في عامي ١٩٥٥- ١٩٥٦، وبرز في تلك الفترة إضرابان بارزان: الأول في معمل عسيلي للنسيج (٢٢٠٠ عامل)، والثاني في معملي الترابة والاترنيت في شكا (١٥٠٠ عامل). وكانت المطالب متشابهة في المعملين، وتدخل السلطة الأمنية أيضاً، وتمكن العمال من تحقيق عدد لا يستهان به من المطالب، خاصة بعد تضامن نقابي معهم، في منطقة الشمال، بما خص معملي الترابة والاترنيت.

في الأعوام اللاحقة، تصاعدت الإضرابات العمالية، وأبرزها في شركة نفط العراق عام ١٩٥٩، احتجاجاً على سياسة الصرف الجماعي، التي سبق للشركة أن اعتمدتها، في السنوات الماضية. لكن الإضراب، وعلى الرغم من استمراره فترة طويلة، تخللها إضراب عن الطعام، لم يُمَكِّن العمال من العودة إلى عملهم، بفعل غياب التضامن بين العمال، إذ وافق العدد الأكبر منهم على ترك العمل، في حين أعيد توظيف عدد قليل منهم، في مراكز مختلفة، منها ما لا علاقة له بالقطاع النفطي.

عام ١٩٦١ شهد معركة شرسة، بهدف تصحيح الأجور، فما أن أقر قانون زيادة الأجور حتى عمت المناطق اللبنانية، وفي مختلف القطاعات، إضرابات بهدف الضغط على المؤسسات والشركات، وإلزامها بدفع هذه الزيادة. وأغلب الإضرابات نجح في الوصول بالعمال إلى تحقيق مطالبهم، لكن المؤسسات الخاصة ردت بحملة تسريح واسعة للعمال. في هذا الإطار، يرى الياس البواري أن الشيوعيين لم يستطيعوا «الاستفادة من هذا الوضع [تصاعد النهوض العمالي والنقابي لتطوير نشاطهم بشكل يمكِّنهم من أن يلعبوا دوراً أساسياً، خلال المعارك بين الطبقة العاملة وكبار الرأسماليين». 14

وبفعل استمرار الحملة العمالية والنقابية الضاغطة صدر قانون الضمان الاجتماعي، بموجب مرسوم جمهوري؛ حيث لم يقره المجلس النيابي، بعد مرور أربعين يوماً على إحالته إليه، بسبب تهرب النواب من إقراره، «لأن أكثريتهم ذوو مصالح وارتباطات…. لذا اضطر رئيس الجمهورية، خوفاً من تصاعد النضال العمالي والنقابي، بشكل لم يعد بالإمكان، معه، السيطرة عليه، إلى إصدار المرسوم». 15 والأمر نفسه حصل لقانون عقود العمل الجماعية، الذي صدر بموجب مرسوم عام ١٩٦٤.

ولقد شهد العام ١٩٦٥ إضراباً كبيراً، في شركة الريجي، حيث طالب العمال بتحقيق مطالب تتعلق بزيادة الأجور، وتحسين ظروف العمل. وعلى الرغم من استمرار الإضراب مدة ١٤ يوماً، لم توافق الشركة إلا على عدد محدود من المطالب، فعادت النقابة عن الإضراب. ولكن ما لبث العمال أن عادوا إلى الإضراب، بعد أن لمسوا عدم تنفيذ الشركة لمطالبهم، متجاوزين بذلك قرار نقابتهم، وتعرضوا لحملة قمعية على يد القوى الأمنية، كما صرف عشرات العمال ممن اعتبرتهم الشركة من «المحرضين»، ولم تعدهم الشركة إلى وظائفهم إلا بعد تدخلات سياسية ونقابية، ولكنها أعادتهم إلى مراكز «فرضتها عليهم». 16

عام ١٩٦٦، أضرب موظفو وعمال شركة الكهرباء بهدف زيادة الأجور وإقرار المِلاك الجديد. ولقد علقوا الإضراب، بعد يومين على بدايته، ولما لم يتوصلوا إلى نتيجة أعلنوا الإضراب من جديد، فاستمر لأسبوعين وافقت بعدهما الحكومة على جزء من مطالبهم. ثم عادت الحكومة إلى التسويف بوعودها، وعادوا من جديد إلى الإضراب، فقررت الحكومة مصادرة العمال وتشغيلهم بالقوة، فتضامنت معهم الحركة النقابية، واستمر الإضراب ١٤ يوماً جديداً حصلوا في نهايتها على جزء من مطالبهم، ومن ثم عاودوا الإضراب لكن ما لبثوا أن علقوه، بعد أن تلقوا وعداً بتنفيذ مشروع المساكن الشعبية.

وعلى الرغم من أن الاتحاد العمالي العام كان قد تأسس عام ١٩٥٨، إلا أنه اقتصر التمثيل داخله على النقابات الخالية من الصبغة اليسارية. ويعتبر غسان صليبي، في كتابه «في الاتحاد كوة»، أنه منذ ذلك التاريخ «احتدم الصراع داخل الحركة النقابية بين الاتحاد العام والاتحادات الأخرى غير المرخص لها، وهي اتحادات يسارية بمعظمها».17 وعام ١٩٦٧ تأسست اتحادات عمالية : «كانت الدولة ترفض سابقا إعطاء الرخص لبعض هذه الاتحادات، ولا سيما الاتحاد الوطني لنقابات العمال والمستخدمين، واتحاد الجنوب»، 18 وكان وزير العمل جميل لحود قد رخص لهذه الاتحادات عام ١٩٦٦، لكن الحكومة اللاحقة تجاهلت الرخص المعطاة من قبله وأعطت رخصاً لاتحادات أخرى، ولكن ما لبثت الحكومة أن نشرت تلك الرخص، بفعل ضغط سياسي نقابي عام ١٩٦٧، عقب اجتماع «حضره ممثلون عن الاتحادات النقابية… انتهى إلى تشكيل «المجلس الأعلى». 19 وعام ١٩٦٨ تلاقى الطرفان النقابيان في شجب الاعتداء الإسرائيلي على مطار بيروت. وفي عام ١٩٧٠، «وإثر إنجازات حققتها الحركة النقابية، ولا سيما صدور المرسوم التطبيقي الخاص بفرع الضمان الصحي»، 20 انضمت كل الاتحادات التي كانت خارج الاتحاد العمالي العام إليه، وأعلن عن ذلك في ٣ أيار/مايو ١٩٧٠، وتبعاً لذلك شهد ذلك العام أكثر من ٢٠ إضراباً.

ومع توحّد الحركة العمالية ضمن الاتحاد العمالي العام، هدد هذا الاخير بإعلان الإضراب العام «إذا لم يبدأ العمل في فرع الضمان الصحي، في أول شباط/فبراير، عام ١٩٧١». 21 وأقيمت اجتماعات نقابية موسعة في مختلف المناطق. ويعتبر البواري أن اتفاق الاتحاد العمالي مع أرباب العمل، وعلى الرغم من التراجعات التي قامت بها الحركة النقابية، أوصل الطبقة العاملة إلى كسب المعركة، التي كانت لها «انعكاسات إيجابية على المسيرة الكفاحية اللاحقة، في ظل الوحدة النقابية». 22

ولقد شهد العام ١٩٧١ موجة واسعة من الإضرابات شملت قطاعات مختلفة، خاصة في معمل ماليبان للزجاج في البقاع، حيث شهد الإضراب موجات مد وجزر بين العمال وإدارة المعمل، سواء على صعيد تصعيد الإضراب، رداً على الصرف الجماعي للعمال واحتلال المصنع، أو بسبب عمد الشركة لرشوة اللجنة العمالية للإضراب، وتمكُّن العمال من إسقاطها وتشكيل أخرى. وعلى الرغم من استمرار الإضراب لأكثر من شهر، وسط تضامن نقابي لا سابق له، إلا أن العمال المصروفين (٣٠٠ عامل) لم يتمكنوا من العودة إلى عملهم. كما حصلت إضرابات متنوعة لنقابة سائقي السيارات العمومية، ونقابات المصالح المستقلة، ولنقابة موظفي المصارف، بالإضافة لإضراب طلاب الجامعة الأميركية، الذي استمر لأكثر من ١٥ يوماً، احتجاجاً على زيادة الأقساط الجامعية، فيما تضامنت معهم روابط الطلاب، في الجامعتين اللبنانية واليسوعية.

وفي العام ١٩٧٢، بدأت حملة الاتحاد العمالي العام الهادفة إلى تعديل المادة ٥٠ من قانون العمل، وخاصة لحماية النقابيين من الصرف التعسفي، بسبب نشاطهم النقابي. وهذا التعديل استغرق عامين من النضال على كل الصعد، كما صرف أصحاب العمل العديد من العمال النقابيين، ورفضوا التعديل، بحجة «المحافظة على التعاقد الحر مع العمال… وبحجة المحافظة على مبدأ الاقتصاد الحر». 23

بالإضافة إلى ذلك حصل المعلمون من وزارة التربية على قرار بإنشاء «رابطات ثقافية في المحافظات لأفراد الهيئة التعليمية في المدارس الرسمية الابتدائية والمتوسطة» جاء عقب إضراب للمعلمين تعرضوا خلاله لمختلف أنواع الضغوط والتهديدات، كما تضامنت القوى النقابية معهم، في حين تأخر الثانويون في نيل قرار بإنشاء رابطتهم حتى عام ١٩٨٠. بالإضافة إلى ذلك شهدت نهاية العام إضراباً لطلاب المدرسة الإكليريكية المارونية، احتجاجاً على عدم دفع رواتب المعلمين، بالإضافة إلى إضراب الفلاحين وشركاء البطريركية المارونية. وفي ٣ تشرين الثاني/نوفمبر من العام ١٩٧٢، بدأ عمال معامل غندور للبسكويت إضراباً طالبوا فيه بزيادة أجورهم وتحسين ظروف عملهم وحماية الحريات النقابية، وفي ١١ تشرين الثاني، هاجمت القوى الأمنية العمال وسقط منهم شهيدان هما يوسف العطار وفاطمة خواجة. أعقبت ذلك حملة تضامن وتظاهر وإضراب في قطاعات مختلفة، إلى أن رضخت الشركة ووافقت على أكثرية المطالب، لكنها اتخذت إجراءات انتقامية من خلال صرف عدد من العمال، وما لبثت أن أقفلت المعمل أمام العمال. كما شنت الحكومة حملة اعتقالات واسعة في صفوف العمال المضربين، وانتهت المسألة بإصرار الشركة على صرف ٤٥ عاملاً من أصل ٧٤، وتراجع الشركة كان بفعل تهديد الاتحاد العمالي العام بإطلاق حملة مقاطعة للشركة، كما إلى حملة التضامن الواسعة.

عام ١٩٧٣، استمر الاتحاد العمالي العام في معركته من أجل التصدي للغلاء والصرف التعسفي للعمال، من خلال حملات ومؤتمرات شعبية، بالإضافة إلى الإضراب العام، لكن مسألة استمرار الإضراب كانت موضع خلاف داخل الاتحاد العمالي، بفعل ميلان كفة التصويت، لصالح نقابيين رفضوا مسألة الإضراب. وانتهى العام المذكور من دون تصحيح للأجور، بفعل القوة المضادة التي قامت بها الهيئات الاقتصادية. كما تعرض مزارعو التبغ في الجنوب لحملة قمع شرسة عندما طالبوا باستلام كامل محصولهم، لقاء أسعار مناسبة، وحماية الحريات النقابية، وتحويل الريجي إلى شركة وطنية. وتطورت الأمور من خلال تظاهرات شبه يومية، وحين حاولت القوى الأمنية إخراج المعتصمين من داخل مركز الشركة بالقوة، سقط شهيدان هما نعيم درويش وحسن حايك. وبالطبع تضامنت النقابات والأحزاب مع المزارعين، واستمرت القضية بالتفاعل حتى العام ١٩٧٩، حين تمكنت نقابة مزارعي التبغ في الجنوب من الحصول على ترخيص رسمي بإنشائها. وفي العام نفسه، خاض المعلمون في التعليم الابتدائي الرسمي صراعاً مريراً مع السلطة، تحت مروحة مطالب تتعلق بالأجور والتصنيف الوظيفي وحرية العمل النقابي وتثبيت المتعاقدين. وقد ردت الحكومة على إضرابهم بطرد ٣٠٩ معلمين، وتعيين ٢٥٢ معلماً جديداً مكانهم. وراوحت المسألة مكانها، وسط تعنت السلطة، التي لم تتراجع عن مواقفها إلا بعد زيارة المعلمين للرئيس سليمان فرنجية، وتقديمهم له ما يشبه الاعتذار. لكن المصروفين لم يتمكنوا من العودة إلى وظائفهم إلا بعد حكم صدر عن مجلس شورى الدولة، من دون أن تدفع رواتبهم عن الأشهر التي صرفوا فيها. ويقول عماد سماحة إن هذه التجربة أعطت درساً «للهيئات النقابية للمعلمين… إذ نادراً ما لجأت الهيئات هذه إلى وقف الإضراب، أو حله، قبل الحصول على حد أدنى من المطالب، أو وعود رسمية للمسؤولين أمام الإعلاميين». 24

أما العام ١٩٧٤، فشهد توسعاً للحراك النقابي والعمالي. فخلال التفاوض بين الاتحاد العمالي العام والحكومة، بما خص بحث قضية الغلاء، وتعديل مواد من قانون العمل، وبعد وعود حكومية خجول، تراجع الاتحاد عن الإضراب، وفي اليوم التالي عمت المظاهرات كل المناطق اللبنانية، رفضاً لهذا القرار وتنديدًا بالغلاء والاحتكار وبالقيادات النقابية. وعلى الرغم من ذلك تمسكت النقابات «اليسارية» باستمرارها داخل الاتحاد العمالي العام، معتبرة أن «الوحدة على علاتها…. الطريق الأسلم والأفضل لتأمين استمرار المعركة». 25

كما نفذ الاتحاد الوطني للنقابات مظاهرة حاشدة شارك فيها خمسون ألف متظاهر، أطلق فيها رئيس الاتحاد الياس الهبر إشارات استهدفت الحكومة: «وعودها… بقيت دون تنفيذ»؛ كما وجه سهاماً حادة ضد قيادة الاتحاد العمالي العام، الذي يشارك الاتحاد الوطني فيه، قائلاً: «الطبقة العاملة أخذت قضاياها بأيديها وإنها لن تتساهل بعد اليوم، إزاء كل من يستجيب لضغط السلطة، لكبت وتمييع النضال النقابي… على الذين يتصدرون قيادة الحركة النقابية أن يستجيبوا لصوت الطبقة العاملة». 26

واستمرت جولات التفاوض الماراتونية ما بين أطراف الإنتاج والحكومة، إلى أن أقرت الحكومة مجمل مطالب الحركة النقابية في ٢٩ أيار/مايو ١٩٧٤. كما شهد العام موجة لا سابق لها من الإضرابات العمالية، في القطاعين العام والخاص، بالإضافة إلى الإضرابات الطلابية في الجامعات الخاصة، والجامعة اللبنانية، ناهيك عن التلامذة. واللافت هو التضامن السريع، وانتقال «عدوى الإضراب» من منطقة إلى أخرى، ومن قطاع إلى آخر.

هذا ولقد استمرت موجة الإضرابات على نفس الوتيرة عام ١٩٧٥، وشملت في أبرز محطاتها: إضراب عمال البلديات، ونضال عمال شركة سوليفر للزجاج، وعمال المطاحن، وإضراب عمال معمل سجاد لبنان في قرية الصفرا، حيث استقدمت الشركة مسلحين من حزب الكتائب، للتضييق على العمال من مختلف الطوائف، الذين حققوا مطالبهم واستطاعوا الوقوف بوجه هذه التضييقات. كما أضرب عمال مصلحة مياه بعلبك، وعما ل معمل عريضة للنسيج، بالإضافة إلى إضرابات طلابية متفرقة. لكن الحدث الأبرز، غير بدء الحرب الأهلية بالطبع، كان التحركات الشعبية الرافضة لاحتكار صيد السمك، حين رخصت الحكومة لشركة بروتيين، عام ١٩٧٣، التي كان يترأس مجلس إدارتها كميل شمعون. وعلى الرغم من المطالبات المستمرة، والحثيثة، من نقابات الصيادين في لبنان للحكومة، بهدف توضيح المسألة وإلغاء الترخيص، وذلك على مدى عام ونصف، فهذه الطلبات لم تلق آذاناً صاغية، وووجهت المظاهرة السلمية، في صيدا، بإطلاق الرصاص الحي، فاستشهد إثرها ١٠ متظاهرين، كما توفي لاحقاً النائب معروف سعد، متأثراً بجروح خطرة جراء إصابته، وعمت حملة تضامنية واسعة في المناطق، وشهدت مدينة صيدا صدامات بين الأهالي والقوى الأمنية. واللافت في هذا الإطار حرص الأستاذ الجامعي فريد الخازن، في كتابه (تفكك أوصال الدولة في لبنان)، على اعتبار قضية بروتيين مسألة استغلها اليسار، لـ«عدم وجود طبقة عاملة كبيرة العدد «كذا»، 27 وأن «المسائل الداخلية المحلية سرعان ما تكتسب وجهاً فلسطينياً تسبغه عليها قوة اندفاع السياسة الفلسطينية في لبنان». 28 وعلى مدى الصفحات التي تكلم ودافع فيها عن كميل شمعون، وشركته المتعاونة مع شركة يوغسلافية (شيوعية)، غض النظر عن التضامن الشعبي الذي عم المناطق اللبنانية مع الصيادين، وتحديداً في جبيل وعمشيت، حيث أرسل الصيادون في ١ آذار/مارس ١٩٧٥ عريضة إلى رئيس الحكومة، استنكروا فيها القمع الدموي الذي قامت به السلطة، والذي «أدى إلى وقوع ضحايا بريئة، دفاعاً عن مطالبهم العادلة». كما تظاهر في طبرجا «صيادو الأسماك مع عائلاتهم، تأييداً لمطالب الصيادين في صيدا».

لقد كانت هذه، اعلاه، نبذةً طويلةً، بالتأكيد، عن الحركة العمالية، في لبنان، في القرن الماضي، وحتى مطلع الحرب الأهلية؛ ولكن من دون أن نضعها في سياق المواقف السياسية، والنظرية، للحركة الشيوعية، وبالأخص الستالينية منها، وكانت هي الأكثر حضوراً وفعالية، في البلد، والمنطقة ككل، أو الجزء منها، الاكثر محاذاة للساحة المحلية. ولأجل ذلك سنحاول، أدناه، التصدي لهذا الجانب، إذ من دون ذلك، يبقى كلامنا مبتوراً، إلى هذا الحد أو ذاك، وعاجزاً عن إعطائنا الفائدة والوضوح المطلوبين، نحن، كما من نخاطبهم، في هذه المرحلة، الحافلة بالأحداث الجسام، وببذور المستقبل، والتي نتمنى أن تكون معطاءً، وغنية، وتفتح على مستقبل زاهر للحركة المشار إليها، وذلك بقدر ما يمكنها ان تأخذ العبر، وتستفيد من التجارب، وتنخرط، عميقاً، في سيرورة التغيير الحالية.

الأحزاب الشيوعية وحركات التحرر الوطني، وعلاقتها بالحركة العمالية

أحد الادوار البائسة، التي انتهجتها الأحزاب الشيوعية، في المنطقة، كان يتمثل بالتسليم التام للأنظمة القومية، البونبارتية، الصاعدة، وخاصة للناصرية في مصر، والبعث في سوريا والعراق، ومن قبْل لنظام عبد الكريم قاسم، في العراق، وذلك بدلاً من الحفاظ على استقلاليتها عن الأنظمة البرجوازية.

فالأحزاب الشيوعية - باتباعها توجيهات موسكو- قبلت بمنطق الانتقال السلمي نحو الاشتراكية، في «العالم الثالث»، رافضة المنهج الماركسي – اللينيني، بالتحديد، حول ضرورة سحق جهاز الدولة البرجوازي. والأحزاب الشيوعية، باتباعها خط ما أصبح يعرف بـ«الوحدة الوطنية»، راحت تفصل بين الصراع الوطني ضد الإمبريالية والصراع للتحرر الاجتماعي والاقتصادي. فخالد بكداش، الأمين العام للحزب الشيوعي في سوريا، والذي كان يعتبر من أبرز القادة الستالينيين في الشرق الأوسط، اعتبر، ضمن مبادئه التوجيهية للسياسة العامة للشيوعيين العرب، عام،١٩٤٤، ما يلي:

«من الواضح أن مسألة التحرر الوطني هي مسألة تعني كل الأمة ولا يمكن تحقيقها من دون أن تلتزم بها كل الأمة، وتلتف حول هذا الشعار العظيم، بهدف تحقيق وحدة وطنية كاملة. التحرر الوطني هو من مصلحة مالكي الأرض؛ وهو من مصلحة صغار التجار، وكبارهم كذلك».

كما يضيف التالي: «تقديرنا وترحيبنا بالرأسمالية الوطنية التي تناضل بكل إيمان من أجل التحرر الوطني لا يقل عن تقديرنا وترحيبنا بالعمال الوطنيين الذين يناضلون بكل صدق من أجل التحرر الوطني».

ومن دون أي خجل يتابع بكداش، قائلاً: «من يقرأ البرنامج الوطني، البرنامج الذي تبناه مؤتمر الحزب الشيوعي في سوريا ولبنان، لن يجد أي ذكر لكلمة اشتراكية». وطمأن بكداش ملاكي الأراضي: «لن نطالب البرلمان بمصادرة أراضيهم وعقاراتهم الزراعية، بل على العكس سنساعدهم بالمطالبة ببناء مشاريع للري، وكل التسهيلات لاستيراد الأسمدة الزراعية والآلات الحديثة… كل ما نطلبه بالمقابل، ورأفةً بالفلاح، إخراجه من الفقر والأمية، وأن يعم التعليم والصحة في القرية… هذه هي مطالبنا الاقتصادية، أو بإمكانكم القول، مطالبنا الاشتراكية. وهي مطالب ديمقراطية وجد معتدلة. كل ما نطالب به… هو إدخال بعض الإصلاحات الديمقراطية يوافق عليها الجميع. وليس ضمن برنامجنا أن نصادر الرأسمال الوطني أو الصناعة المحلية. نعد أصحاب الرأسمال الوطني وأصحاب الصناعات الوطنية بأننا لن ننظر بحسد أو كراهية تجاه الصناعة الوطنية، بل على العكس نتمنى ازدهارها وتقدمها. كل ما نطلبه هو تحسين العديد من الأمور، لصالح العمال الوطنيين، وتحقيق تشريعات عمالية ديمقراطية ستنظم العلاقة بين أصحاب العمل والعمال، على قاعدة العدالة والتضامن الوطني».29

فبالنسبة لبكداش، وبالطبع كامل النهج العام للأحزاب الشيوعية حينها، كان يجب تدجين الصراع الطبقي، انطلاقاً من مسألتين أساسيتين: أسبقية أو أولوية التحالف مع البرجوازية الوطنية، بهدف التحرر الوطني؛ وأهمية انصياع العمال للرأسمالية الوطنية، وعدم المساس بمصالحها وقدرتها على التوسّع؛

بالنتيجة، أصبح على العمال والعاملات، ضمن هذا الخط، أن ينتهجوا أسلوباً معتدلاً، استرضائياً وجاهزاً دائماً للدفاع عن البرجوازية الوطنية؛ وتأكيداً على هذا النهج كتبت جريدة صوت الشعب في ١٥ تموز/يوليو عام ١٩٤٤، بعد إضراب لعمال مصانع الصابون في طرابلس، التالي: «نأمل من أصحاب العمل الموافقة على مطالب العمال، وهي ليست مطالب كبيرة، وأن الحكومة ستتدخل بين أصحاب العمل والعمال لحل المشكلة بطريقة عادلة». 30 

وفي آب/أغسطس، عام ١٩٤٤، أضرب عمال بلدية بيروت وقُمعوا على يد الشرطة وطُرد العديد منهم من عملهم في البلدية. ويومها طالبت جريدة صوت الشعب الحكومة بأن تتدخل لصالح العمال. فبالنسبة للجريدة «الشرطة ليست وسيلة بيد الحكومة!». 31 وجريدة الاتحاد (السورية) سارت على خطى جريدة صوت الشعب، مستلهمة نظرية التحالف مع البرجوازية الوطنية، وفاصلة مسألة التحرر الوطني عن الصراع الطبقي، لا بل اعتبرت أن صراع العمال من أجل تخفيض ساعات العمل الطويلة، وزيادة أجورهم المتدنية، وإعطاءهم أيام راحة، اعتبرت ذلك تكديراً للاقتصاد الوطني، وعلى العمال بحسب الجريدة نفسها «دعم الاقتصاد الوطني، فمسألة الاقتصاد الوطني ومسألة العمال العرب، في هذه المرحلة، هي النضال من أجل الحرية والاستقلال، وعلى الطرفين (أصحاب العمل والعمال) بذل التضحيات، والتعاون مع بعضهما البعض».

ولكن «التحرر الوطني والتحرر الاجتماعي ليسا مفصولين. نظرية عبد الناصر وخالد بكداش وأمثالهما، المتعلقة باستراتيجية المراحل التي تفصل بين أنواع التحرر، هي رجعية ويوتوبية. فقط عندما يسيطر العمال على المصانع، ويسيطر العمال الزراعيون على الأراضي الزراعية، يمكنهم تحقيق صراع رابح ضد الإمبريالية وكل الطفيليين، مهما استغرق الأمر من وقت، ومن بذل دماء وعذاب، خلال خوض هذا النضال. الحل الممكن الوحيد في الشرق الأوسط هو بثورة عمالية وفلاحية تهدف إلى إقامة جمهورية اشتراكية، مع حقوق كاملة لليهود والأكراد وكل الأقليات.» 32

المشكلة في التحليل، او المنهجية الستالينية، هي كونها تحليلاً ميكانيكياً وسطحياً. وهذا التحليل يقوم على أن الإمبريالية هي جسم خارجي يقمع كل الطبقات من المواطنين المستَعمَرين، من دون أي تمييز، ولا يراه بالتالي عاملاً لإدارة استغلال الكادحين من خلال الرأسمال الأجنبي والمحلي، فتتمتن العلاقات بين الرأسمال المحلي والأجنبي والرأسمالية، كما لا يرى (التحليل) العلاقة الواضحة بين النضال ضد الإمبريالية، في المستعمرات، والثورة الاشتراكية العالمية. في هذا الوقت، «اعتمد الستالينيون على وحدة كل الطبقات في صراعهم ضد الدول المستعمِرة، وعلى الرغم من فوز الثورة البلشفية في روسيا، وفشل الثورة في الصين بقيادة ستالينية منشفية، استمر تكرار ستالينيي الشرق لشعارات الوحدة الوطنية، وكل الحجج النظرية المتعلقة بها.» 33

وهذا ما يعترف به بكداش: «لا يمكن فرض على بلد يعاني من نير الإمبريالية، ومن تخلف اقتصادي وزراعي وصناعي، بناء جمهورية اشتراكية، ولكن ما يمكن فعله هو التحرر الوطني، والتحرر من مخلفات العصور الوسطى من الحياة الاقتصادية والاجتماعية». 34

هل يقصد بكداش هنا أن التخلص من مخلفات العصور الوسطى يكمن في التخلص من ملكية الأراضي الزراعية، مثلاً؟ بكداش نفسه أجاب عن هذا السؤال، من خلال تبنيه نظرية التحالف مع البرجوازية الوطنية لمحاربة الاستعمار، وأكثر من ذلك يقول بكداش إنه «لن نطالب البرلمان بمصادرة أراضيهم وعقاراتهم الزراعية، بل على العكس سنساعدهم بالمطالبة ببناء مشاريع للري…»! ولكن أي معنى لحركة تحرر وطني، من دون أن ترتبط بتحرير الملكيات الزراعية، وانتزاع مصالح مالكي الأراضي «الوطنيين». تبدو وجهة نظر خالد بكداش هنا ذات نزعة قومية يتناسى فيها «واقع أن كل بلد هو جزء من هذا الكوكب وكل الصراعات تتطابق بعضها مع البعض الآخر». 35

الفضاء الفكري للصراع العمالي في لبنان: الطائفة-الطبقة، وإلغاء الطائفية السياسية، أم العَلمنة الشاملة؟

كثيرون عادة ما يقرأون الصراع العمالي والنقابي فقط، في حيثياته الاقتصادية، من دون التطرّق الى البيئة الأيديولوجية التي حكمته عبر التاريخ، والتي تعبر عن نفسها اليوم من خلال قيادات بيروقراطية طائفية ومسقَطة، كما من خلال التقاليد السياسية والتنظيمية للعمل النقابي، لذا ما اردت دراسته في هذا القسم هو الصراع الأيديولوجي الذي كان ولا زال، الى حد ما، يحكم النضال العمالي والنقابي في لبنان.

من خلال دراسة مارلين وسليم نصر، الواردة ضمن كتاب سليم نصر وكلود دوبار

(Les classes sociales au Liban)، والتي أجريت في نهاية العام ١٩٧٤ على ٢٦ مصنعاً، من أكبر المؤسسات الصناعية، في ضاحية بيروت الشرقية، حيث بلغ عدد العمال فيها ٧٠٧٠ عاملاً (وهذه العينة مثلت آنذاك ما يقارب ١٠ بالمئة من مجمل العمالة في المصانع، التي يعمل فيها أكثر من ٥ عمال، أغلبهم يعمل في مصانع للمفروشات والأخشاب، أو في مصانع للنسيج)، نجد، على أساس الأرقام التي خرجت بها تلك الدراسة، حقيقة التوزع الطائفي للعمال، إذ «بلغت نسبة العمال المسلمين ٥٤،٩٦ بالمئة والعمال المسيحيين ٤٥،٠٤ بالمئة». 36

بعد ذلك يبدي دوبار ونصر ملاحظة «تاريخية»: «النسبة الجوهرية و«التمثيلية» للمسيحيين تبطل إحدى الخرافات الأكثر رسوخاً، والمتعلقة بالبنية الاجتماعية/الطائفية في لبنان. هذه الخرافة المستعملة من اليسار ومن اليمين، في الوسط الإسلامي والوسط المسيحي، تعلن عن ثنائية تتميز، من جهة، بأن المسيحيين يشكلون القسم الأكبر من البرجوازية والطبقة الوسطى، ونسبتهم قليلة جداً في صفوف الطبقة العاملة، ومن جهة أخرى، بأنه يشكل المسلمون الأغلبية الساحقة من الطبقة العاملة. ولكن نتائج هذه الدراسة تكذِّب بوضوح هذه «النظرية الأيديولوجية»، على الأقل، بما يتعلق بالعمال في المصانع الكبيرة، في الضاحية الشرقية لبيروت. فالعمال المسيحيون يمثلون معدلاً بالكاد يكون مختلفاً عن نسبتهم إلى مجمل السكان، والطبقة العاملة في الصناعة هي من دون منازع متعددة الأديان والطوائف». 37 وتجدر الإشارة، في هذا الإطار، إلى أن توزع نسب العمال بحسب تصنيفهم الوظيفي يتم، على الشكل التالي: تبلغ نسبة العمال المسيحيين غير المؤهلين ٤٦،٢ بالمئة، من مجمل العمال المسيحيين، في هذه المصانع، في حين تبلغ نسبة العمال المسلمين غير المؤهلين ٧٥،٢ بالمئة.

ويعتبر سمير خلف أن «الجماعات الساخطة المهجرة [من الجنوب، وغير المتكيفة مع البيئة المدينية الجديدة، بحسب قوله، من قراها وأراضيها، كانت هدفاً سهل المنال لأي شكل من أشكال التعبئة السياسية». 38 

أما سمير المقدسي فهو أكثر صراحة من خلف، إذ يسمي «الأشياء بأسمائها»، معتبراً أن الامتياز الطبقي الظاهر للعيان، خارج نطاق بيروت وجبل لبنان، «أسبغ مسحة طائفية على مسألة اللامساواة، في توزع الدخل، وذلك بالنسبة إلى أبناء الطائفة الشيعية…. وأطلق القائد الروحي للطائفة الشيعية آنذاك الإمام موسى الصدر حركة أمل السياسية، بهدف تعزيز مكانة الطائفة في التركيبة الطائفية اللبنانية، من جهة…. وكان التأييد الذي لاقته ناشئاً إلى حد كبير من الحالة الاجتماعية- الاقتصادية للطائفة الشيعية، مقارنةً بالطوائف اللبنانية الأخرى». 39

أما فريد الخازن فيقول إن الحرب كانت في نظر هؤلاء المحللين «نزاعاً كلاسيكياً يضع البرجوزاية القامعة، في مقابل البروليتاريا المقموعة. وقد ذهب البعض إلى أبعد من النزاع الطبقي، فأعاد أسباب النزاع الاجتماعي، في لبنان، إلى التلاقي بين المصالح الطبقية ومصلحة طائفة بعينها، مقابل مصالح الطوائف الأخرى، وقد أطلق هذا البعض تعبير «الطائفة-الطبقة». 40

في الواقع ليس من الخطأ التحريض لصالح الصراع الطبقي، ونشر الوعي الثوري، في إطار الحركة العمالية والنقابية، وليس أمراً مخجلاً، على الإطلاق، الدعوة إلى إسقاط النظام، ولكن الخطأ الفادح، إنما هو في تعمية الحقائق، واستعمال الأرقام، في إطار يعيد إنتاج المنظومة المتحكمة بالفضاء الفكري، والتيار العام المسيطر على المجتمع. وفي نفس الإطار، لا يمكن إنكار فكرة الطائفة-الطبقة، وتخبئتها تحت السجادة، كما حصل في كتابات سمير قصير، حيث يظهر التناقض (قصير لا يتحمل مسؤولية ذلك بين متن نصه والهامش في الصفحة ٩١، إذ قال إنه، عموماً، «ازداد انتشارا لمفهوم الجماهير الشعبية، مع التناسي أحيانا أن المسيحيين كانوا جزءاً منه. وفي هذا الصدد، ردد جزء من اليسار صدى مقولة المحرومين التي طورها الإمام الصدر، وأعطوا الانطباع، من خلال صيغة ملتبسة، بقبول الفكرة القائلة إن الشيعة يشكلون «الطائفة المحرومة». والمعنى المضطرب، الذي ألصق بالمفهوم الهجين للطائفة-الطبقة، كشف أيضاً عن هذا الالتباس. لكن المثال الأفضل للتدامج بين اليسار، والمسلمين، هو شخصية كمال جنبلاط، الذي يقرن الإرادة الإصلاحية والوحي العلماني بتوقه إلى أن يفرض نفسه، متحدثاً باسم جميع المسلمين». أما في الهامش، فيقول قصير التالي: «هذا التعبير الطائفة-الطبقة، المنسوب إلى منظمة العمل الشيوعي في لبنان)، أسال الكثير من الحبر منذ ذلك الحين. وهو لم يرد في الحقيقة في نصوص رسمية، وإذا كان قد استُعمل في إطار صحفي، فإنه لم يتحول مفهوماً، ولم يرقَ بالتالي إلى مستوى النظرية… وأشار طرابلسي الذي كان المنظِّر، وواحداً من أبرز قياديي منظمة العمل الشيوعي، في لبنان حتى ١٩٨٢، إلى أنه كان من المتعذر العثور على استشهاد يتضمن هذه الكلمة المركبة». 41

من ناحية اخرى، يقول كميل داغر إن مفهوم الطائفة-الطبقة أطلقته مجلة الحرية، بعد أحداث أيار، عام ١٩٧٣، بين الجيش والمنظمات الفلسطينية، من خلال مقالة ورد فيها: «إن الطبقات الاجتماعية اللبنانية لها أيضاً لون طائفي غالب. غلبة الانتماء الطائفي المسيحي على الطبقات البرجوازية والمتوسطة وغلبة الانتماء الاسلامي على الطبقات الكادحة». ويعتبر المقال نفسه، في مجلة الحرية، أن «الصراع الوطني يعبر عن نفسه، بالدرجة الأولى، على شكل صراع طائفي وحروب أهلية طائفية». وانتقل مفكرو الحركة الوطنية، بحسب داغر، من التعميم (الذي يشمل كل المسيحيين) إلى التخصيص (الذي يشمل كل الموارنة)، وكان يمثل ذلك «الخط العام للحركة في فهمها للواقع اللبناني وفي تعاملها معه». 42 كل ذلك حصل على يد أشخاص يصنفون أنفسهم بخانة اليسار الماركسي، حيث يرون ضرورة «مجابهة دين الحكام بدين المحكومين، دين الشبعانين بدين الجياع»، 43 كما يكتب فواز طرابلسي. وداغر يستعرض بشكل موجز تاريخ الطائفة المارونية، ويرى أن القسم الماروني من البرجوازية يستغل، أولاً، الفقراء الموارنة، وعلى من يحلل الوضع أن يرى هذا الأمر، كما يضيف داغر كيفية صعود النضال الوطني والطبقي، ما جعل الأرض تهتز تحت البرجوازية، فقام الجزء الماروني منها بتحويل الصراع الطبقي إلى صراع طائفي، و«لم تكن الرجعية المارونية عازفاً أوحد، في حلبة التعبئة والممارسة الطائفيتين. لقد شاركتها وما تزال الحركة الوطنية اللبنانية،» 44 من خلال صحفها ووسائلها الدعوية، لناحية تبني مطالب البرجوازية المسلمة بالمشاركة. كما فضلت الحركة المذكورة التخلي عن مطلب العلمنة، واستبداله بإلغاء الطائفية السياسية، حرصاً على تحالفها مع الرجعية الاسلامية، فضلاً عن مشاركة الحركة نفسها في «المعارك النموذجية، في طبيعتها الطائفية الصارخة»، 45 علماً بأن تحالفَ الحركة مع التجمعات والشخصيات الاسلامية أدى إلى تخلي الحركة عن القضايا النضالية، وأبدت حرصها على المطالبة بتوسيع قاعدة المشاركة السياسية للبرجوازية المسلمة. وعن هذه الفترة، يشير طرابلسي إلى أنه بعد أن جرى الانتباه إلى أن البرجوازية المسلمة تخاف من مطلب العلمنة أكثر مما تفعل الكتائب، تقرر أن يتم وضع برنامج اجتماعي اقتصادي، فأنجز البرنامج بسرعة، «وكان محوره كيفية وضع الاقتصاد والاجتماع، في خدمة توحيد البلد. ولكن كان قد فات الأوان وخسرنا المعركة عربياً…. فلم يصدر النص، كوثيقة رسمية، باسم الحركة الوطنية». 46

ويعدِّد كميل داغر المصطلحات، التي رددتها نشرة الوطن، وجريدة السفير ومركزها للمعلومات، بحق الموارنة، كجسم واحد، ومن خلال تعميم خطير، ولا سيما أنه يصدر عن «يساريين». ومن تلك العبارات: «يهود الداخل»؛ «موْرَنة كل لبنان؛ «موارنة الشمال هم في الحقيقة مسلمو الموارنة»، الخ.... وأخيراً «الفقر الماروني ضروري للماروني السياسي، لا لأغراض الحرب فقط، بل أيضاً وخصوصاً لإشاعة الإيديولوجية المارونية نفسها».

كما اعتبر داغر أن موقف الحركة الوطنية ارتبط بخلفيات الخط السياسي الذي كان يتحكم بها، من حيث الارتباط الذيلي بالبرجوازية المسلمة، واحتقار الطبقات الكادحة وخاصة المارونية منها، بدليل قبول الحركة الوطنية التفاوض مع البرجوازية المارونية، عوض العمل على تحقيق التضامن الطبقي العابر للطوائف. كما يعتبر داغر أن الحركة لا ترى حساسية مسألة الأقليات الطائفية والقومية، بحيث أنها انطلقت مع نوع من القطرية القومية الضيقة، ويرى أنها استجابت للتوريط الطائفي. وكل ذلك، بالإضافة إلى الموقف الذي يتخذه الإصلاحيون من قضية الثورة، واعتمادهم على سياسة المراحل، الستالينية.

إن الدعوة إلى إلغاء الطائفية السياسية، أو تحقيق العلمنة الكاملة في لبنان، لم تكن سوى مزايدة حربجية بين الأطراف المتنازعة. فالحركة الوطنية «خفضت» سقف مطالبها، منذ بداية الصراع، إلى إلغاء الطائفية السياسية، فاعتبرت الجبهة اللبنانية ذلك «مساً» بالتوازنات الطائفية، وردت على ذلك بالدعوة إلى العلمنة الشاملة، من دون أن يعني ذلك أنها متمسكة بها، لكنها رمتها بوجه غريمتها (الحركة الوطنية)، بغية إحراجها أمام حلفائها من البرجوازية الإسلامية (الموصوفة، آنذاك بالبرجوازية الوطنية). هذه الدعوات المتبادلة يعتبر كمال الصليبي، في كتابه (بيت بمنازل كثيرة)، أنها لم تكن أكثر من حيلة سياسية، لتحقيق النفع لهذا الفريق أو ذلك، كما أنها بحسب الصليبي «لعبة أخرى من ألاعيب المراوغة بين الأطراف المتعددة». 47 ويتابع الصليبي أن تلك المواقف المتضاربة بين الجانبين «مواقف رياء ومخادعة». 48 والصليبي يوضح أنه لا يقصد التعميم بهذه الأحكام التي أطلقها، إذ أكد أنه كان هناك من رأى «بإخلاص أن يعيش في ظل نظام حكم علماني وقانون مدني يطبقان على الجميع»، 49 لكنه يضيف، وبنبرة تشاؤمية، أن هؤلاء المخلصين خدموا، أحياناً، عن غير قصد، «المآرب السياسية الخفية لهذا الجانب أو ذاك في اللعبة اللبنانية». 50 عن هذه النقطة بالذات، يتحدث كميل داغر، مشيراً إلى أن «التحالف الذي يتطلع إليه شعبنا، الذي تتناهش جسده برجوازيتاه (المسيحية والمسلمة)، ويُحرم الخيار بين الثورة المضادة والثورة، هو ذلك الذي سيقوده ثوريون جذريون يحشدون إلى جانبهم كل القوى الديمقراطية والوطنية الحقيقية، على طريق تحقيق العلمنة الشاملة، كالحد الأدنى المقبول». 51

وداغر يرى أن أزمة الحركة الوطنية تمثلت بأزمة قيادة، وخلفية فكرية، والخط العام، والخط السياسي، ومن ثم الممارسة اليومية. وباختصار، لقد شكل كل ذلك «خيانة صفيقة للإمكانات التاريخية، التي توفرت لنهوض حركة الجماهير، في السنوات التي سبقت الحرب مباشرة، والتي كان يمكن، لو تسنى للتعامل معها وجود قيادة ثورية، أن تغير لا وجه لبنان وحسب، بل وجه كامل الوطن العربي». 52

خاتمة

في ظل السيرورة الثورية، التي تعم المنطقة من أقصاها إلى أقصاها، وفي وقت يمر فيه النظام الرأسمالي، بوجهه النيوليبرالي، بمصيبته الأكثر حدة، ورغم كل ذلك، وبسببه، وفي ظل مخاوف جدية على مصير الجنس البشري، بفعل الأضرار التي ألحقتها الرأسمالية، والانتاج المتراكم والجشع، بالبيئة وبالموارد الطبيعية، خرج المتظاهرون في مختلف أنحاء العالم العربي، وبدأوا بالمهمة القاسية، وشبه المستعصية، المتمثلة بالتصدي للمشكلات، التي أبقتها، من دون حل، حركات التحرر الوطني، في المنطقة العربية، ومن بينها لبنان، وبتنظيف إصطبلات أوجياس، التي تركتها ممتلئةً أنظمة الاستبداد، والعمالة للإمبريالية. ويواجه المنتفضون، على تفاوت أشكال انتفاضهم، المسائل نفسها، التي عولجت في المقال أعلاه: مواجهة بيروقراطية النقابات وعمالة أغلبها لصالح الأنظمة التي تتهاوى، وتحطيم الأحزاب المتواطئة مع الأنظمة والمهادنة لها؛ كما تثار مسألة العلمانية، ولكن بخجل، بمواجهة محاولة شرذمة الطبقة العاملة، بمختلف طوائفها، وتخوض هذه الطبقة أقسى المعارك، بوجه الخصخصة، وبهدف فرض مطالبها، عبر عمل نقابي أكثر إشراقاً من ذلك الذي كان يخاض، في الماضي.

وفي لبنان اليوم، يبدو أن التعلم من تجارب الماضي المرير أكثر من ضرورة، واستكمال النضال كذلك، إلى جانب الطبقة العاملة في جوانب تجاربها ونضالاتها المضيئة. ففي وقت يتهاوى، فيه، الاتحاد العمالي العام- الجهاز النقابي الأصفر والعميل لسلطة الإجرام والسرقة والإفساد- تتمظهر معالم نقابية وعمالية جديدة، في قسم منها، ومن فئة عمرية شابة، خاصة بما يتعلق بالمتعاقدين والمياومين، في مختلف إدارات الدولة، أو في الحراك النقابي المتجدد في بعض الشركات الخاصة. هذا من جهة، ومن جهة أخرى حراك هيئة التنسيق النقابية، في مواجهة تعنت الحكومة، وعدم إحالتها سلسلة الرتب والرواتب إلى المجلس النيابي.

الرؤية الإصلاحية تراهن على النظام الرأسمالي، عسى يتمكن من «تقديم» إصلاحات من داخله تجدد «شبابه»، حين تسمح له ضغوط المنافسة والسوق، أو عند مواجهة حركة عمالية قوية. ولكن هذا النظام لن يلبث أن يسحب هذه الإصلاحات، عبر شن هجوم عنيف على حقوق العمال ومكتسباتهم، التي نالوها عبر نضالات مديدة. وفي هذا الإطار، وفي مواجهة هذه الهجمة، يقف الثوريون إلى جانب نضالات الحركة العمالية، عبر بناء أمتن الروابط معها، ويقف الثوري في الوقت عينه بمواجهة التيار السائد في المجتمع، التيار الذي يغذي الانقسامات الطائفية والعرقية والجنسية، خدمة لطبقة حاكمة رثة.

«فالطبقة العاملة تثبت قدرتها على قيادة المجتمع، من اجل التحرر والتحرير، والاشتراكية، ليس فقط في قدرتها الاقتصادية، بل ايضاً وعلى نفس المستوى من الاهمية، في قدرتها على بناء أُطر المواجهة الايديولوجية. فالصراع الطبقي، في حيزّه الاقتصادي، يبني المساحة الموضوعية المشتركة، من اجل تخطّي الحواجز الجنسية والاثنية والطائفية، داخل الطبقة العاملة والطبقات المضطهدة، ولكن فعل «التخطّي» هذا لا يأتي بشكل تلقائي، بل يأتي من خلال التدخّل السياسي، والفكري، للقوى الثورية، في طرح مباشر لعناوين المواجهة الايديولوجية، على نفس المستوى من الاهمية، الذي تقتضيه العناوين الاقتصادية، والاجتماعية، كالعلمانية والمساواة الكاملة، ومناهضة العنصرية.» 53

وكما تقول روزا لوكسمبورغ: «إن أمامنا حقلاً واسعاً تتعين علينا حراثته»، وإزالة ما علق به من رواسب مميتة. وهنا، بالضبط، يكمن موقع الثوريين.

 
  • 1. باسم شيت، المنشور، العدد 2، ايلول ٢٠٠٥
  • 2. فواز طرابلسي: تاريخ لبنان الحديث، من الإمارة إلى اتفاق الطائف، دار رياض الريس للكتب والنشر، بيروت، ٢٠٠٨، ص. ٦٦
  • 3. عزيز صليبا، تاريخ الحركة النقابية في البقاع، ص. ١٧
  • 4. المصدر نفسه
  • 5. الياس البواري: تاريخ الحركة العمالية والنقابية في لبنان: )١٩٠٨- ١٩٤٦(، الجزء الأول، دار الفارابي، بيروت، ١٩٨٦، ص. ١٠٩
  • 6. المصدر نفسه، ص. ١٥٣
  • 7. المصدر نفسه، ص. ١٥٣
  • 8. المصدر نفسه، ص. ١٦٧
  • 9. المصدر نفسه، ص. ١٦٩
  • 10. المصدر نفسه، ص. ١٨٣
  • 11. المصدر نفسه، ص. ٢٢٩
  • 12. المصدر نفسه، ص.٢٧٠
  • 13. المصدر نفسه، ص. ٧٥
  • 14. المصدر نفسه، ص. ٢٠٢
  • 15. المصدر نفسه، ص. ٢٢٥
  • 16. المصدر نفسه، ص. ٢٥٣
  • 17. غسان صليبي: في الاتحاد كوة، بحث في مشكلات الاتحاد العمالي العام في لبنان، مختارات، بيروت، ١٩٩٩، ص. ٤٦
  • 18. المصدر نفسه، ص. ٤٦
  • 19. المصدر نفسه، ص. ٤٧
  • 20. المصدر نفسه، ص. ٤٧
  • 21. الياس البواري: تاريخ الحركة العمالية والنقابية في لبنان: )١٩٧١- ١٩٨٠(، الجزء الثالث، دار الفارابي، بيروت، ١٩٨٧، ص. ٧
  • 22. المصدر نفسه، ص. ١٢
  • 23. المصدر نفسه، ص. ٢٦٥
  • 24. عماد سماحة: جدلية الحركة والوعي بين أفراد الهيئة التعليمية في لبنان، دار الفارابي، بيروت، ٢٠٠٦، ص. ٧٢
  • 25. الياس البواري: تاريخ الحركة العمالية والنقابية في لبنان: )١٩٧١- ١٩٨٠(، الجزء الثالث، دار الفارابي، بيروت، ١٩٨٧، ص. ٢٥٢
  • 26. المصدر نفسه، ص. ٢٥٦
  • 27. فريد الخازن: تفكك أوصال الدولة في لبنان )١٩٦٧- ١٩٧٦(، دار النهار، بيروت، ٢٠٠٢، ص. ٢٦٣
  • 28. المصدر نفسه، ص. ٢٧٣
  • 29. توني كليف: النضال الاممي والتراث الماركسي، كتابات مختارة، الجزء الاول: مشكلة الشرق الاوسط، بوكماركس، لندن ٢٠٠١
  • 30. المصدر نفسه
  • 31. المصدر نفسه
  • 32. المصدر نفسه
  • 33. المصدر نفسه
  • 34. المصدر نفسه
  • 35. المصدر نفسه
  • 36. كلود دوبار، سليم نصر: الطبقات الاجتماعية في لبنان، مطبعة المؤسسة الوطنية للعلوم السياسية، باريس، ١٩٧٦، ص. ٣٤
  • 37. المصدر نفسه، ص. ٩٠
  • 38. مير خلف: لبنان في مدار العنف، قراءة في تدويل النزاعات الفئوية، دار النهار، بيروت، ٢٠٠٢، ص. ٢١٨
  • 39. المصدر نفسه، ص. ٢١٨
  • 40. فريد الخازن: تفكك أوصال الدولة في لبنان )١٩٦٧- ١٩٧٦(، دار النهار، بيروت، ٢٠٠٢، ص. ٣٣٥
  • 41. فواز طرابلسي: حرب لبنان من الشقاق الوطني إلى النزاع الإقليمي (١٩٧٥ - ١٩٨٢)، جامعة باريس ٨، ١٩٩٤، ص. ٩١
  • 42. كميل داغر: ينبغي أن نحلم، دار التنوير، بيروت، ٢٠١٠، ص. ٩٤
  • 43. فواز طرابلسي، الحرية، ٣ تشرين الأول ١٩٧٧
  • 44. كميل داغر: ينبغي أن نحلم، دار التنوير، بيروت، ٢٠١٠، ص.١٠٣
  • 45. المصدر نفسه، ص. ١٠٤
  • 46. فواز طرابلسي، صورة الفتى بالأحمر، ص. ١٥٣
  • 47. كمال الصليبي: بيت بمنازل كثيرة، الكيان اللبناني بين التصور والواقع، مؤسسة نوفل، بيروت، ٢٠١٢، ص. ٢٤٣
  • 48. المصدر نفسه، ص.٢٤٤
  • 49. المصدر نفسه، ص. ٢٤٤
  • 50. المصدر نفسه، ص. ٢٤٤
  • 51. كميل داغر: ينبغي أن نحلم، دار التنوير، بيروت، ٢٠١٠، ص. ١١٢
  • 52. المصدر نفسه، ص. ١١١
  • 53. باسم شيت، الطائفية والنضال من اجل المساواة والعلمانية والعدالة الاجتماعية في لبنان، بيروت ٢٠١٣