قراءة للوضع الاجتماعي والسياسي الراهن في تونس

العدد الاول - كانون ثاني ٢٠١٢
الدولة: 
تونس
تاريخ النشر: 
كانون الثاني (يناير), 2012

بعد انسداد للآفاق تواصل زهاء نصف قرن، شهدت تونس في ظرف سنة تطورات سياسية على غاية من الأهميّة، لعلّ من أبرزها قيام الثورة، وطرد الدكتاتور، وحلّ الحزب الحاكم وإطلاق الحريات، وإضعاف سلطة الداخليّة، وأخيراً وليس آخراً وصول حزب حركة النهضة الإسلامي إلى السلطة، بعد انتخابات حرّة، كانت الأولى من نوعها في تاريخ البلاد.

لكن في نفس الوقت، تعمقت الأزمة الاجتماعية، وساءت أحوال الطبقات الشعبيّة أكثر من السابق، خاصّة نتيجة استفحال أزمة التشغيل، حيث بلغ معدّل البطالة ١٨‪,٥‬٪، وطالت ربعَ القوى العاملة المستخدمة في الولايات الغربية والجنوبية، كما طال نقصُ استخدام العمالة ثلثي الناشطين المشتغلين. أمّا الفقر المُدقع فهو يُصيب رُبع السكان، خاصّة منهم سكان الأقاليم الداخليّة.

أمّا النشاط الاقتصادي فقد شهد بدوره ركوداً واضحاً تجلى في تقهقر نسبة النموّ إلى مستوى الصفر. تراجع الاستثمار ومؤشر الانتاج الصناعي، ما أصبح يهدّد بقرب اندلاع أزمة اقتصاديّة لن تزيد الوضع العامّ إلاّ تدهوراً وتعقيداً. ويمكن اليوم التأكيد بأنّ الثورة المضادّة، أي البرجوازية العالمية وتحديداً الأوروبية وحلفاءها المحليين، قد وفقت في وقف اندفاع الثورة والحفاظ على جوهر النظام، وهي تسعى الآن إلى تثبيت سلطة جديدة لملء الفراغ الذي خلفه سقوط الدكتاتور وحل حزبه. لقد كان من الواضح، منذ الساعات الأولى التي تلت فرار بن علي، أن النظام كان همّه الأول هو تفادي فراغ السلطة، ما يفسّر الارتباك الكبير في تعيين خليفة مؤقت لبن علي. كما كان يسعى إلى عزل الحركة الثوريّة وتفادي التحامها بقيادات من المعارضة، حتّى المعتدلة منها. وهو ما يدل عليه السعي إلى إدماج رموز هذه المعارضة في حكومة بن علي، التي بقيت في السلطة مدّة شهر ونصف، بعد سقوط هذا الأخير، ولم تتخلَّ عنها، إلا بعد تنظيم اعتصام القصبة.

إذاً، وبالتوازي مع سعي الثورة المضادة إلى تفادي مُحاسبة النظام، وتحميله مسؤولية الأزمة الاجتماعية، كانت هذه الأخيرة تناور لفرض بديل سياسي لسلطة بن علي المنهارة. وكان من الضروري أن تحصل هذه السلطة الجديدة على موافقة الشعب، وليس الحركة الثوريّة. لذلك كانت الانتخابات أفضل طريق لتحقيق ذلك، مع ضمانات كبيرة، في ما يتعلق بالنتائج. لذلك كان الهدف الأساسي من انتخابات المجلس الوطني التأسيسي تسليح الحكومة بالشرعيّة الانتخابية، التي ستساعدها على إعادة التحكم في الوضع العامّ في البلاد، وليس صياغة دستور جديد كما يزعم الخطاب السّائد. حيث أنّ الطبقات الشعبية وجماهير الشباب لم تثر نتيجة عدم رضاها على الدستور السابق، أو للمطالبة بدستور جديد، بل إن الدافع الأساسي لثورتها إنما كان البطالة والفقر والاحتقان، جراء فساد السلطة الحاكمة وظلمها.

ولضمان حظوظ أوفر للحفاظ على النظام القائم، وإفراز سلطة سياسية جديدة موثوق في ولائها لهذا النظام، أطلقت الثورة المضادة اليد لمليشيات مسلحة تنهب وتسطو وتروِّع السكان، كما ‹أخليت› السّجون من آلاف مساجين الحق العامّ، وكان شعور فقدان الأمان قد خيم بظلاله على جميع ربوع البلاد. ولم يكن من الصعب العثور على مكونات سياسيّة تقبل تقديم خدماتها للنظام القائم. أما قوى اليسار فإنها وجدت نفسها حبيسة لهذا المسار، ولكي تدخل حلبة منافسة سياسية لم تتهيأ لها، ولم تكن تتحكم في قوانينها.

في ظل هكذا ظروف ساد الاعتقاد بأنّ أولويّة الأولويات إنما هي ضمان عودة ‹الأمن› للبلاد، وتحقيق ما اتفق الجميع على تسميته ‹الانتقال الديمقراطي›، الذي سيتأسس على شرعيّة جديدة هي الشرعية الشعبية. وكان الشعار الأكثر تداولاً، خلال الأشهر التسعة التي سبقت انتخابات ٢٢ أكتوبر/تشرين الأول، هو تأجيل المطالب الاجتماعية والاقتصادية، والامتناع عن الاضرابات والاعتصامات. وبذلك نجحت الثورة المضادة في إرباك الحركة الثورية، وفي عزلها، وفي فرض أجندتها الخاصّة.

في هذه الأثناء، بدأ المشهد السياسي الجديد يتشكل، ليظهر مركزية حركة حزب النهضة السلفي، فيما كانت بقية الأحزاب تتصارع، لتضمن لنفسها مكاناً تحت الشمس. ولم يكن من حديث أو نقاش أو جدل إلا عن الانتخابات، والدستور والمجلس التأسيسي، وآليات الانتقال، والقوانين المنظمة لذلك. ونظراً لدقة الوضع، وإلحاحيّة المطالب الاجتماعية والاقتصادية، لم تكن الحكومة المنصبة والفاقدة للشرعية قادرة، بمفردها، على تأمين استقرار الوضع العامّ في البلاد. فكان من الضروري تقديم العون لها، من خلال إيجاد هيكل يضم كل الأطياف السياسية، والمنظمات المهنية والنقابية والجمعيات، يركز اهتمامه على المسائل التقنية المتعلقة بمسار تشكل السلطة الجديدة، ويساعد الحكومة على ترويض الحركة الثوريّة. ما غذى بدوره عزلة هذه الأخيرة، وزاد في ارباكها.

لم تكن أمام الثورة المضادّة خيارات كثيرة في ما يتعلق بالقوى السياسية، التي يمكن لها أن تكون البديل المقنع والمطمئن لسلطة بن علي. ذهبت أنظارها في البداية إلى الحزب الديمقراطي التقدمي، الذي كانت تتزعمه شخصية سياسية بارزة، لها تاريخ نضالي ضد الدكتاتورية، أعني أحمد نجيب الشابي. لكن هذا الأخير، جعله سعيه المحموم والمفضوح، نحو كرسي الرئاسة، يفقد مصداقيته، على الرغم من الامدادات المالية الضخمة، التي تم تزويده بها. في المقابل، كان من الواضح أن حزب حركة النهضة يتفوق على كل منافسيه، بدون منازع.

لم يكن من السهل تهدئة مخاوف البرجوازية، تجاه هذا الحزب الديني السلفي، الذي كان يبذل مجهودات كبيرة، قصد تبديد هذه المخاوف، وطمأنة الطبقة الرّأسمالية العالمية، والمحلية. لكن الأمر الحاسم هو توقيع حزب حركة النهضة، إلى جانب عشرة أحزاب أخرى، ورقة طريق - ضبطتها الحكومة خلال شهر ماي/أيار- وكانت تتمثل في صيغة معدلة للمخطط ١٢ للتنمية ٢٠١٠ - ٢٠١٤، الذي أصبح مخطط التنمية ٢٠١٢ - ٢٠١٦. وهو معتمد الآن كخطة عمل للحكومة المنتخبة.

بالإضافة إلى ذلك، تم التأكد من نوايا النهضة، ومدى استعدادها للعب دور المعوِّض المطيع لسلطة الدكتاتور، من خلال موافقتها على موازنة الدولة، التي أعدتها حكومة السبسي المنصَّبة، وصادقت عليها.ومن ثم الموافقة على بقاء محافظ البنك المركزي في منصبه، وهو الممثل المباشر للبنك العالمي وللإدارة الأمريكية، وكان تولى هذا المنصب يوم الاثنين ٢١ جانفي/كانون الثاني، قادماً من واشنطن. وهو الوزير الوحيد الذي لم يغادر منصبه إلى اليوم، برغم تعاقب الحكومات والوزراء. وبعد فوز النهضة في الانتخابات، احترمت كافة تعهداتها.

لقد مرّ اليوم ثلاثة أشهر على فوز النهضة في الانتخابات، شكلت خلالها حكومة ائتلافية مع حزبي المؤتمر من أجل الجمهورية (وسط)، والمنتدى الديمقراطي للعمل والحريات (يمين الوسط). وفي الأثناء، طفت الأزمة الاجتماعية من جديد إلى السطح، وتأججت المطالب الاجتماعية، في كل مكان، وأصبح المشهد الاجتماعي، اليوم، أقرب إلى أجواء العصيان المدني من أي شيء آخر. لقد تعددت الاضرابات والاعتصامات، وتكاثرت لتشمل القطاعات كافة، وانتشرت عمليات قطع طرق المواصلات، وغلق مداخل الوحدات الانتاجية العمومية الكبرى،وخاصة منشآت الفوسفات والكيمياء، ولم تنجُ من حركة العصيان هذه المصانع الخاصة، مثل مصانع الإسمنت. كما انتشر في الأيام الأخيرة شكل آخر أكثر راديكالية، هو دخول مدن بأكملها في إضرابات عامّة، لا محدودة، كما هو الشأن في مدينة مكثر، إلخ.

وعلى الرغم من نداءات الحكومة المتكررة للهدوء، وطلب إمهالها مدة ستة أشهر، وبرغم الوعود وحملة التجريم للتحركات الاجتماعية، وحتى التهجم عليها، ونعتها بالخيانة والفوضى والتخريب، إلا أن لهيب الحركة ما انفك يزداد يوماً بعد يوم.

لقد ضاقت الطبقات الشعبية ذرعاً، جراء طول الانتظار، وهي التي استنزفت طاقاتها، منذ نصف قرن، قبل أن يخضعها نظام بن علي، إلى سياسة تقشف شرسة، ونسق استغلال اقتصادي غير مسبوق. ولكن الأهم في كل هذا هو عدم امتلاك حكومة النهضة للوسائل، التي من شأنها أن تجعلها قادرة على تهدئة الأوضاع، بعد أن أصبح من الواضح أن هذا الحزب لا يختلف في جوهره عن الحزب الحاكم، سابقاً، المنحل، وليس الخطاب الديني سوى ورقة التوت التي تحاول النهضة التستر وراءها، على هذا العداء المتأصل فيها، لمصالح الغالبية الساحقة من الشعب التونسي، وفي مقدمته شرائحه الأكثر فقرا.

كما يمكن اعتبار معطى اجتماعي آخر، سوف يكون له وزنه في الصراع الاجتماعي، خلال المدة القادمة، وهو مؤتمر المركزية النقابية العمالية، الذي أفضى إلى بروز قيادة جديدة، غير متورطة مع النظام السابق، وملتزمة بمصالح الأجراء، حيث عبّر الأمين العام الجديد، للاتحاد العام التونسي للشغل، عن التزامه بمطالب طبقة الشغيلة، ورفضه تصريف الأزمة على حسابها، وأنّه آن الأوان للسعي، بجدية، نحو نظام يضمن العدالة الاجتماعية، قولاً وفعلا.

وبالتالي، وبالنظر إلى ما آل إليه الوضع الاجتماعي الراهن، من تدهور خطير، وتراجع النشاط الاقتصادي، واعتماد حكومة النهضة الائتلافية ميزانيةً تضع في صدارة عناوينها تسديد خدمة الدَّيْن.. الخارجي، بنسبة ١٪ من الموارد العمومية، وتستجيب شروط المؤسسات المالية الدولية، ومصالح الرّأسمالية الأجنبية، ومن ضمنها الإمعان في التقشف، وتسليع الخدمات الاجتماعيّة، فإن الأوضاع مهيأة للانفجار، مجدداً، وفي كل لحظة، وهو ما يدل عليه في الآونة الراهنة تأجج الاحتجاجات الاجتماعية، في كامل أنحاء تونس.