مقابلة مع جلبير الأشقر، في الذكرى الأولى لفاتحة الثورات العربية، ثورة تونس

العدد الاول - كانون ثاني ٢٠١٢
الملف: 
الثورات العربية
تاريخ النشر: 
كانون الثاني (يناير), 2012

جلبير الأشقر، هو أستاذ العلوم السياسية، في «معهد الدراسات الشرقية والإفريقية»، في جامعة لندن. بين الكتب الصادرة له، بلغات عديدة، «صدام الهمجيات»، و«الشرق الملتهب»، و«العرب والمحرقة النازية». والمقابلة المنشورة أدناه، أجرتها معه، باللغة الفرنسية، مجلة إنبريكور INPRECOR، التي تصدرها الأممية الرابعة، في باريس، وذلك في أواسط الشهر الماضي، كانون الأول/ديسمبر ٢٠١١. وتنشر «الثورة الدائمة» ترجمة أعدتها هيئة التحرير فيها، وذلك للنص الفرنسي الأصلي، الذي حصلت عليه الهيئة من الرفيق، بعد إجراء المقابلة مباشرةً، على أساس االنشر المتزامن مع عدد إمبريكور، الذي يصدر، في هذا الشهر.

إمبريكور: نحن نقترب من الذكرى الأولى لبدء «الربيع العربي»، في تونس. ولقد فتحت إطاحة بن علي الطريق إلى تحركات جماهيرية في مصر، وإلى إطاحة حسني مبارك، ثم القذافي، في ليبيا، وإلى الثورة في اليمن، واستقالة علي عبدالله صالح، وإلى الثورات في دول الخليج، وفي سوريا... لصالح الديمقراطية. كيف يمكن وصف هذه الحركات؟

جلبير الأشقر :تتشارك هذه الحركات في مطالبتها بالديمقراطية. فهي تتم، في بلدان يسود فيها نظام استبدادي، وتشترط حصول تغيير في النظام، تغيير في أشكال السلطة ودمقرطة الحياة السياسية. وهذا بُعدٌ تشترك فيه الحركات المشار إليها، ويمنحها في الوقت ذاته قوتها، لأن المطالبة بالديمقراطية تتيح توحيد كتلة كبيرة من الناس، من آفاق شتى، حين تنضاف إلى احتياطي تمرد اجتماعي قوي جداً، في المنطقة. وعلينا أن لا ننسى أن الحركة بدأت في تونس، مع انفجارٍ اجتماعي. فالشاب محمد البوعزيزي، الذي انتحر بإحراق نفسه، كان يحتج على ظروف حياته، ولم يكن يتقدم بمطالب سياسية. ولقد شددت حالته على مشكلة البطالة المستمرة، في بلدان المنطقة، ولا سيما بطالة الشبيبة، والأزمة الاقتصادية، وغياب آفاق اجتماعية. وهذه هي المقوّمات الأساسية. ولكن حين تنضاف إلى معارضة نظامٍ استبدادي، فذلك يتخذ أحجاماً كبرى، كما أمكننا ان نرى في البلدان المنوَّه بها. بالمقابل، ففي البلدان التي لا تنطرح فيها مشكلة الاستبداد، بالراهنية نفسها، وحيث النظام اكثر ليبرالية، وتسامحاً، مع التعددية السياسية – كمراكش، مثلاً - نجد حركةً تقوم على قاعدة المسائل الاجتماعية، ولكنها لم تكتسب إلى الآن الاتساع المتفجر، الذي سرعان ما بلغته، في تونس، ومصر، وليبيا، واليمن، والبحرين، وسوريا.

امبريكور: كيف ترى تطور سياسة الولايات المتحدة، وسياسة البلدان الأوروبية، في المنطقة؟ وهل تشكل الانتخابات، في تونس، ومراكش، ومصر، والتدخل العسكري، في ليبيا، استعادةً للمبادرة الإمبريالية، أو لمبادرة البرجوازية الكومبرادورية المحلية؟

جلبير الأشقر: ثمة فاعلان، في السؤال الذي تطرحه: البرجوازيات والامبريالية. والأمر ليس الشيء نفسه، بالضبط. فضلاً عن ذلك، يتعلق الأمر بجزء من العالم حيث من يعملون اليوم، بالتوافق مع الدول الغربية، مع الولايات المتحدة، بوجه اخص، ليسوا جميعهم حكومات يمكن وصفها بالبرجوازية – وأنا اتحدث هنا عن الملكيات النفطية في الخليج، التي تمتلك بُعداًًَ سابقاً للرأسمالية، والتي تشكل حلقات مغلقة ريعية، تستثمر الريع النفطي. ففي هذه البلدان، ليست البرجوازية المحلية – أكانت كومبرادورية أو لم تكن – هي التي تمسك بزمام القيادة. وثمة حاجة للقيام بالتمييزات الضرورية.

أما في ما يخص الولايات المتحدة، وهي القوة الإمبريالية الرئيسية في المنطقة، فيمكننا القول إنها عدَّلت الميزان قليلاً، بعد الوضع الصعب للغاية الذي وضعتها فيه الانتفاضتان، التونسية والمصرية، ولكن الحديث عن «استعادة المبادرة» يبدو لي مبالغاً فيه. لقد تمكنت من إعادة الاعتبار قليلا ًلنفسها، عبر التدخل في ليبيا، من دون كلفة عالية، نسبياً، بالنسبة إليها، ومن تقديم نفسها على أنها «تدعم الانتفاضات». وهي ترفق ذلك بخطاب عام عن الديمقراطية. وخلافاً لما يقوله البعض، فهذا الخطاب المنافق يمتد حتى ليشمل مَلَكيات الخليج، وإن لم يتلازم، في حالتها، مع أي فعل. فالولايات المتحدة تحاول أن تصور نفسها على انها مؤتمنة على قيم الحرية، التي لم تنفك تشهرها كسلاح إيديولوجي، منذ عقود عدة، ولا سيما خلال حقبة «الحرب الباردة». وهي تفعل ذلك، في سوريا، بقدر من السهولة، لأن الأمر يتعلق بنظام متحالف مع إيران، ليست لديها نحوه مودة خاصة، تماماً مثلما كان الأمر، بخصوص النظام الليبي. ولكن القول إنها استعادت وضع الهيمنة الذي كانت تمتلكه، في المنطقة، كلام مبالغ به كثيراً. ففي الواقع، تشير الأحداث الجارية إلى وجود انحدار شديد للهيمنة الأميركية. وهو ما نراه بوجه خاص، في حالتي سوريا وليبيا.

ففي ليبيا، كان التدخل الغربي تدخلاً من بعيد، في جانب أساسي منه، ومن دون نزول قوات إلى الأرض. وبالتالي، فالتأثير الذي يمكن أن يكون للولايات المتحدة، على السيرورة الجارية، في ليبيا، محدود جداً. وفي الواقع، لا أحد يتحكم بالوضع في هذا البلد، ونشاهد تعبيرات لا تستسيغها الولايات المتحدة، إطلاقاً، ومن ضمنها الاحتجاج المتعاظم، ضد المجلس الوطني الانتقالي، ومحاولاته، الخجولة جداً، للقيام بإعادة بناء الدولة.

وفي مصر، نرى أن حلفاء واشنطن، العسكريين، لا يزالون يمسكون بالوضع، ولكن سلطة هؤلاء تُقابَل باعتراض شديد، من جانب الشارع، وحركةٍ شعبية مستمرة، ولا سيما على المستوى الاجتماعي، حيث تجد تعبيرها بنضالات قاسية ومتواصلة. أما الظهور القوي، على المستوى الانتخابي، للتيارات الإسلامية، فيشهد على بروز معطىً إقليمي جديد. فحتى إذا لم تكن هذه التيارات تمثل تهديداً للإمبريالية الأميركية، فليست، أيضاً، بالنسبة إليها، أداةً، أو حليفاً مطواعاً، بقدر ما هم العسكريون. وثمة توترات في التحالف، والتعاون، بين العسكريين والإخوان المسلمين. ولا مجال لتشبيه ذلك بما كانت عليه الحال مع نظام مبارك، حيال الولايات المتحدة.

من جهة أخرى، فهذا يوضح أيضاً أن الولايات المتحدة اضطرت لإعادة تحديد سياستها، في المنطقة، بصورة مكثفة، لأن حلفاءها التقليديين لا يمتلكون إلا القليل القليل من الشرعية الشعبية، وهو ما لم تكن تغذي بخصوصه الكثير من الأوهام، كما أظهرت ذلك إفشاءات ويكيليكس. فالآن وقد بات تأكيد السيادة الشعبية موجوداً في الشارع، تجد الولايات المتحدة نفسها مضطرة لإيجاد حلفاء لها يمتلكون قاعدة اجتماعية حقيقية. لأجل ذلك، استدارت صوب الإخوان المسلمين، الذين بعد أن كانت جرت شيطنتهم، في السنوات الأخيرة، يجري تصويرهم، حالياً، كـ«مسلمين معتدلين»، أو «مسلمين طيبين»، بالمقارنة مع السلفيين. والإخوان المسلمون موجودون، في كل المنطقة، والولايات المتحدة بحاجة إليهم، كما الحال في زمن تحالفها معهم، ضد عبد الناصر، وضد القومية العربية، وضد الاتحاد السوفييتي، ونفوذه في المنطقة، ما بين الخمسينيات والثمانينيات من القرن الماضي.

وتحاول المَلَكيات، في الخليج، ولاسيما اثنتين تلعبان دوراً بالغ الأهمية، في العالم العربي، اليوم، وهما المملكة السعودية، وإمارة قطر، أن تستعيد المبادرة أيضاً. وليست لهاتين الملكيتين السياسة نفسها، بالضرورة، وثمة بينهما تراث من الخصومة يتلازم، حتى، أحياناً، مع توترات في ما بينهما، ولكنهما تتشاركان المصلحة مع الولايات المتحدة، في الجهود لأجل توجيه الأحداث، في اتجاه لا يهدد مصالح كلٍّ من هؤلاء، ويتيح لهم إعادة الاستقرار إلى المنطقة، في المدى القصير. ولقد شهدت قطر، بوجه خاص، زيادة نفوذها، بشكل كبير، في ظل الانتفاضات، على عكس المملكة السعودية، التي تشارك الولايات المتحدة انحدار نفوذها، وتراجعه. فلقد راهنت إمارة قطر، منذ سنوات عدة، على علاقاتها بالإخوان المسلمين، بأن أصبحت ممولتهم الرئيسية، وبتأسيسها مذاك الفضائية التلفزيونية، الجزيرة، وهي أداة سياسية ذات قوة مرموقة، تم وضعها، في الوقت عينه، تحت تصرف الإخوان المسلمين، الحاضرين جداً في مِلاكها الإداري، ووسط العاملين فيها. وقد لعبت قطر بهذه الأوراق، منذ زمن بعيد، وتأتي الأحداث لتجعل منها أوراقاً استراتيجية رابحة. وهو ما رفع من قيمة الإمارات كثيراً، وأتاح لها ان تصبح حليفاً هاماً جداً للولايات المتحدة، التي تقيم، على أرضها، القاعدة العسكرية الأميركية الرئيسية، في المنطقة. ولكنها كانت طورت، أيضاً، خلال فترة من الزمن، علاقاتٍ بإيران، وبحزب الله اللبناني، الخ...، لأجل «توزيع المخاطر» – فذهنية الحاصل على الرَّيع هي التي تدَعِّم محفظة توظيفاتها. وقطر يمكنها اليوم أن تروِّج لأهمية نفوذها الإقليمي، في نظر الولايات المتحدة.

وينضاف إلى ذلك كله دور تركيا في المنطقة. وهنا يمكن الحديث حقاً عن برجوازية في السلطة، وعن بلد تعبِّر فيه الحكومة بالتأكيد عن الرأسمالية المحلية، قبل كل شيء. فالحكومة التركية هي حليفة الولايات المتحدة، وتركيا عضو في الحلف الأطلسي؛ ولكن الحكومة المذكورة تتدخل أيضاً، من منظور المصالح الخاصة بالرأسمالية التركية، التي اتخذت هجمتها التجارية، وتوظيفاتها في المنطقة، أهمية متعاظمة، على مرِّ الايام.

هاكُم تقريباً اللاعبين الكبار على مستوى الدول، في المنطقة، ولكن اللاعب الأكبر هو اليوم الحركة الجماهيرية. فحتى في البلدان، التي تحققت فيها أنصاف انتصارات، كتونس، أو مصر، لاتزال حركة الجماهير مستمرة.

إمبريكور: كيف تحلل النجاحات الانتخابية التي حققتها الأحزاب الإسلامية، في تونس، ومراكش، ومصر؟ وهل يمكن تفسير هذه النجاحات، على أساس أنها تكرار لإلزام الثورة الإيرانية، في العامين ١٩٧٨-١٩٧٩، بالبقاء ضمن حدود معينة، أو أن الأمر يتعلق بظاهرة أُخرى؟

جلبير الأشقر: الأمر يختلف، بحسب البلدان. ففي مراكش، لم يكن الأمر شبيهاً بما حدث في مصر أو تونس. فنجاح الحزب الإسلامي، فيها، نسبي جداً، وبادىء ذي بدء، لأن الانتخابات قوطعت، بكثافة. فبحسب الأرقام الرسمية، كانت المشاركة أدنى من غالبية الناخبين المسجلين، الذين كان مثيراً أكثر للفضول أن يكون عددهم قد انخفض عما كانت عليه الحال، في الانتخابات السابقة، وذلك على خلفية حملة نشيطة، لصالح المقاطعة، قامت بها قوى المعارضة الحقيقية، المتجمعة، في حركة ٢٠ فبراير /شباط. ومن واجبي أن أقول، لتصحيح الانطباع، إن قوى المعارضة هذه كانت تضم، هي أيضاً، مكوِّناً إسلامياً هامّاً، معارضاً للنظام بصورة جذرية. إن نجاح الحزب الإسلامي للـ«معارضة الوفية» (للمَلَكية)، في مراكش، هو نجاح نسبي للغاية، ومن المرجَّح أن الملكية استقبلته استقبالاً جيداً، إذا لم تكن تمنَّته، وذلك لإعطاء الانطباع بأن مراكش شهدت هكذا، بأشكال سلمية ودستورية، السيرورة نفسها التي حصلت، في أمكنة أخرى .ويتفق أن للحزب الذي نحن بصدده روابط تشده إلى الإخوان المسلمين.

أما في تونس، وفي مصر، فالانتصارات الانتخابية للأحزاب الإسلامية أكثر إثارة، ولكن ليس فيها إطلاقاً ما يستدعي الشعور بالمفاجأة. ففي حالة مصر – وهنا أيضاً ثمة حاجة لإبراز الاختلافات بين البلدان – حدثت هذه الانتخابات بعد عقود كان الإخوان المسلمون خلالها، المعارضة الجماهيرية الوحيدة الموجودة، في حين أن السلفيين كانوا يتمتعون بحرية مناورة، لأن مبارك كان يعتبرهم قوةََ دعم لنظامه، لكونهم كانوا يدعون للابتعاد عن السياسة. ولقد تمكن هذان المكوِّنان للحركة الإسلامية من النمو، على مر الزمن، على الرغم من المضايقات التي تعرض لها الإخوان المسلمون. ومع أن هاتين القوتين لم تشاركا في مبادرة الحركة الجماهيرية (التحقتا بها لاحقاً)، حين نجحت هذه الحركة في فرض دَمَقرطةٍ نسبية للمؤسسات، فقد كانتا في وضع يتيح لهما الاستفادة منها أكثر من أيٍّ من الآخرين. وعلينا أن لا ننسى أن مبارك لم يستقل إلا في فبراير/شباط الماضي، وأنه لم تكن هناك غير أشهر قليلة للإعداد للانتخابات. فلم يكن يمكن بناء قوةٍ بديلٍ لمعارضةٍ ذات صدقيةٍ، وقادرةٍ على إحراز النصر، في الانتخابات، في وقت قصيرٍ إلى هذا الحد. لقد سحقت الحركةُ الجماهيرية حزبَ النظام، الذي كان الآلة الانتخابية الرئيسية في البلد.

ولكننا كنا إزاء انتفاضة غير ممركزة إلى حد بعيد، في شكلها التنظيمي. وكان الأمر يتعلق بشبكات متعددة أكثر مما ب «حزبٍ قائد». وكان الإخوان المسلمون، بالتالي، القوة الوحيدة المنظمة، التي تمتلك وسائل مادية، في الحركة.

ولكن حالة تونس مختلفة، لأن حزب النهضة، الإسلامي، تعرض للاضطهاد، وتم حظره، في أيام بن علي. هذا ولقد منع نظام بن علي، القمعي، أيضاً، بروز قوة يسارية، أو حتى ديمقراطية. وهذه القوى لم تكن تمتلك الاتساع الذي بلغته «النهضة»، في بداية التسعينيات، قبل قمعها، والذي أتاح لها الظهور، على ممر الزمن، كالحالة المعارضة لبن علي، الأقوى والأكثر جذرية، وذلك بمساعدة قناة الجزيرة، بوجه أخص. والنهضة، هي الأخرى، لم تكن في أصل الانتفاضة، في بلدها، ولكن بالنظر إلى المهلة القصيرة التي أُعطيت لإعداد الانتخابات، كانت تتمتع بوضع أفضل بكثير من أوضاع القوى السياسية الأخرى.

لقد كانت الأحزاب الإسلامية في مصر وتونس تمتلك المال، وهذا عامل أساسي لأجل خوض حملة انتخابية. وإذا كانت قوى اليسار، في البلدان العربية، تستطيع، في الماضي، الاستفادة من دعم الاتحاد السوفييتي، المادي، أو من دعم هذا النظام القومي أو ذاك، فلقد انتهى هذا، منذ زمن بعيد. بالمقابل، فإننا لنلاحظ، بالنسبة للأحزاب الإسلامية، وجود منافسة، حتى، بين مقدمي المساندة المالية، النفطيين، لها: كقطر، وإيران، والمملكة السعودية. ودور قطر هام جداً، على هذا الصعيد. فلقد ذهب راشد الغنوشي، زعيم النهضة، إلى قطر، قبل عودته (من المنفى) إلى تونس... ومقر النهضة الجديد، الفخم، في تونس، وهو مبنى من عدة طوابق، ليس في متناول منظمة تخرج من سنوات من القمع. ولم ينفك الإخوان المسلمون المصريون يدشنون مقرات في كل أرجاء البلد، مع وفرة الإمكانات، التي تتدفق عليهم، منذ فبراير/شباط الماضي، أي منذ حصلوا على الشرعية. ولقد رأينا ما أنفقوه من إمكانات كبيرة خلال الحملة الانتخابية. إن لعامل المال، إذاً، أهمية كبرى، وهو يضاف إلى رأسمالهم الرمزي كقوة رئيسية في المعارضة، وفي حالة مصر، إلى انغراسهم بما هم قوة سياسية – دينية عرفت كيف تنسج شبكة هامة، عبر ممارسة الأعمال الاجتماعية وأعمال البِر. وليس مدهشاً، على الإطلاق، ضمن شروط كهذه، أن تطفو هذه القوى كمنتصرة رئيسية في الانتخابات.

إمبريكور: هل يمكن للأحزاب الإسلامية أن تخلي المكان، على المدى البعيد، لقوى ستتولى بناء نفسها؟

جلبير الأشقر: إن المشكلة الكبرى، في الوقت الراهن، هي غياب بديل يوحي بالثقة، وليس الزمن وحده هو الذي يلعب دوره، هنا، بل المقدرة، ايضاً، أو وجود مشروع، سياسي وتنظيمي جدير بالتصديق. والقوة الوحيدة التي يمكن، في رأيي، أن توازن الأحزاب الإسلامية، في المنطقة، ليست الليبراليين من كل الأصناف، الذين لديهم، بطبيعتهم، قاعدة اجتماعية ضيقة، بل الحركة العمالية. ففي بلدين، كتونس ومصر، تمثل قوةً مرموقةً، قوةً لها جذور شعبية، بعكس الليبراليين. والحركة العمالية هي القوة الوحيدة القادرة على تشكيل بديل للأصوليين الدينيين، في البلدان المعنية. والحال أن المشكلة الأساسية إنما تكمن في غياب تمثيل سياسي للحركة العمالية.

إن الحركة العمالية القوية موجودة، سواء في تونس أو في مصر: الاتحاد العام للشغل في تونس (UGTT)، الذي كان عاملاً حاسماً في إطاحة بن علي، والاتحاد المصري الجديد للنقابات المستقلة، في مصر.

وليس هذا الأخير قوة هامشية، حيث أنه يضم، حتى اليوم، مليوناً ونصف المليون من الأعضاء. إن الـ(FESI) أو الـ(EFITU)، وفقاً للأحرف الأولى الإنكليزية، بنت نفسها بعد إطاحة مبارك، على قاعدة حركة الإضرابات التي سبقتها وتلتها. وبمعنىً ما، تشبه النقاباتِ المعارضةَ، التي تم خلقها، بمواجهة الدكتاتوريات، في كوريا، أو بولندا، أو البرازيل.

أما المشكلة فتكمن في أنه ما من تمثيل سياسي للحركة العمالية، في تونس، وفي مصر، وعليَّ أن أقول، للأسف، إن اليسار الجذري، في البلدين المعنيين، لم يُعطِ الأولوية لتوجُّهٍ كهذا. فهو يعتقد أنه بالإعلان عن نفسه، وبناء نفسه، سياسياً، يمكنه أن يلعب دوراً عظيماً في الأحداث، في حين أن وتيرتها تتطلب سياسات موجَّهة ً أكثر مباشرةً بكثير، نحو إعلاء شأن الحركة الاجتماعية بالذات. ذلك أنه يمكن إعطاء الأولوية للمنظمات السياسية، في الفترات البطيئة، فترات اجتياز الصحراء، ولكن عندما نصبح في وضع بهذا القدر من الغليان، لا يعود يكفي بناء الذات. وأنا لا أقول إن هذا ليس ضرورياً، بل هو غير كافٍ. يجب اتخاذ مبادرات ترمي إلى خلق حركة واسعة. وفي رأيي أنه في بلدان كتونس ومصر، ينبغي أن تكون الفكرة الكلاسيكية عن أحزاب عمالية جماهيرية، مستندة إلى الحركة النقابية، فكرةً مركزية. بيد أنها، للأسف، قليلة الحضور في الإشكاليات السياسية لليسار الجذري، في البلدين المنوه بهما.

إمبريكور:لماذا تبدو المَلَكيات (في كل من مراكش، والأردن، وشبه الجزيرة العربية) «صامدة»؟

جلبير الأشقر: هنا أيضاً، علينا التمييز. ربما سأقول إن الأردن يشبه مراكش أكثر مما بعض ملكيات الخليج. إنه يظهر أيضاً بمظهر «استبداد ليبرالي»، «حكم مطلق ليبرالي». إنها ملكيات مطلقة، حيث لا توجد سيادة شعبية، ولكن فيها دساتير ممنوحة و قدراً من الليبرالية السياسية، مع تعددية سياسية غير وهمية. هنالك أيضاً قاعدة اجتماعية للملكية، قاعدة رجعية ريفية أو من أصل ريفي تُعنى بها الملكيات. وذلك يتلازم، بالتأكيد، مع قمع انتقائي.

ولكن الوضع الاجتماعي الحالي يختلف في الأردن عنه، في مراكش. ففي هذه الأخيرة، هنالك حركة اجتماعية قوية، حيث أن حركة ٢٠ فبراير/شباط نجحت في تنظيم أعمال تعبوية هامة، وأثبتت حتى الآن وجود مثابرة لافتة لديها. ولكنها أخطأت، في رأيي، بالانطلاق من المسألة الدستورية، المتعلقة بالمسألة الديمقراطية، التي ليست لها، في مراكش، حدَّةٌ كبيرة، بينما المسألة الاجتماعية أكثر حدة بكثير. بيد أنه يحدث تطور، على ممر الأيام، وباتت المسألة الاجتماعية توضع، أكثر الآن، في الواجهة. مع ذلك، لن يكون بالإمكان، في الظروف الحاليةً، في مراكش، حصول انتفاضة شعبية من النوع الذي حصل، في تونس أو في مصر، إلا على مستوى القضايا الاجتماعية، وليس بما يخص المسألة الديمقراطية، لأن النظام من الفطنة بحيث لا يُظهر أنيابه، في مواجهة هذه الأخيرة. ففي مراكش لم يحصل إلا القليل من القمع، مقارنةً بالبلدان الأخرى للانتفاضة، كتونس بن علي أو حتى مصر، ناهيكم عن ليبيا أو سوريا.

ثمة عناصر مشتركة بين مراكش والأردن، حيث النظام يترك الأمور تأخذ مجراها، في الوقت نفسه الذي يراقبها فيه، فاتحاً بذلك صمّام الأمان، وتاركاً البخار يتبدد. في الوقت نفسه، يلعب على العامل الإتني. وفي الأردن، هنالك أيضاً أعمال تعبوية لا يستهان بها، وهي مستمرة. هنالك إذاً، في البلدين المذكورين، حركة فعلية، وإن لم يكن لها الاتساع الكبير لما رأيناه في تونس، أو مصر، أو البحرين، أو اليمن، أو ليبيا، أو سوريا...ولكن «الاختلاف» الإتني، المختلق جداً، بين «أردنيين أصليين» وفلسطينيين (أي الناس المتحدرين من النزوح من الضفة الأخرى لنهر الأردن) إنما يستغله النظام. ومع أننا نعرف تماماً أن الفلسطينيين، الذين يعود أصلهم إلى الضفة الغربية، هم أكثرية في البلد، فالمَلَكية الاردنية تغذي هاجساً لدى «الأردنيين الاصليين»، وتخوُّفاً من أن يصبحوا أقلية. وهذه هي الوصفة التقليدية جداً، المتمثلة بالشعار المعروف، «فرِّق تَسُدْ».

وإذا استدرنا نحو المَلَكيات الخليجية، يصبح الوضع مختلفاً. فلقد حصلت حركات شعبية حيث ذلك ممكن. وفي عُمان، كانت هناك حركة اجتماعية، ونرى الآن تطوُّرَ حركةٍ سياسية، في الكويت؛ ولقد حصلت حركات احتجاج وأعمال تمرد، جرى قمعها بشراسة، في المملكة السعودية. وثمة، بالتأكيد، البحرين، أو الملكية الخليجية الوحيدة التي واجهتها انتفاضة كبيرة الاتساع. أما الاستثناء فتشكله الدويلات المصطنعة جداً، كقطر، والإمارات، حيث ٨٠ إلى ٩٠% من السكان هم «أجانب»، أي ليست لهم أي حقوق، ويمكن طردهم، في أي لحظة. إنها دول لا تخشى إذاً الحركات الاجتماعية كثيراً، وتحظى بحماية مباشرة من جانب الدول الغربية، كالولايات المتحدة، وبريطانيا، وفرنسا (التي لها روابط هامة مع الإمارات العربية المتحدة، بوجه خاص، ولا سيما على المستوى العسكري). وفي كل مكان آخر، كانت هناك تحركات، حتى في الكويت، حيث يوجد سكان أصليون، أكثر اتساقاً بعض الشيء، وإن كانوا قلةً، حتى هنالك.

ولقد كانت هناك، بوجه خاص، انتفاضة البحرين، التي حاولت الملَكية المحلية، والسعوديون، تصويرها كحركة طائفية شيعية، على وجه الدقة، ضد الملكية السنية، علماً بأن الشيعة يشكلون الأغلبية الساحقة من سكان الجزيرة. ولا شك في أن البُعد الطائفي موجود، وهو قوي في المنطقة: فالشيعة يتعرضون للاضطهاد، سواء في البحرين، أو في المملكة السعودية، حيث هم أقلية. والأنظمة القائمة تستخدم الطائفية الأكثر سفالةً، لمنع تلاحم حركة جماهيرية، ويغذون، في قاعدتهم الاجتماعية، العداء للشيعة. وبالطبع، فهم يستخدمون أيضاً الإمكانات المالية، التي في متناولهم، لشراء من يستطيعون شراءهم. وفي البحرين، رأينا حركة ديمقراطية ذات شأن، إذا نظرنا لموازين القوى. ولولا التدخل الخارجي، لكانت تمكنت من إطاحة الملَكية، وهو ما يبقى وارداً. ولقد اتخذ التدخل الخارجي شكل قوات من بلدان الخليج، سعودية بشكل خاص، جرى إرسالها إلى الجزيرة للحلول محل القوات المحلية، بحيث تتمكن من تكريس نفسها لقمع الحركة. ولكن الحركة مستمرة في البحرين، وليست على وشك الاندثار.

وأخيراً، هناك اليمن، الذي ليس جزءاً من ملكيات الخليج، ولكنه ينتمي إلى المنطقة عينها. إنه، مع السودان وموريتانيا، أحد البلدان العربية الأكثر فقراً. فثلثا السكان يعيشون فيه، تحت عتبة الفقر. ولقد عرف اليمن تعبئة عظيمة بالكامل قبل أشهر. وما يتم استغلاله هناك، من جانب النظام، استغلالاً شديداً، إنما هو العامل القبَلي، فضلاً عن العامل الإقليمي، بحيث اتخذت الأحداث الأشكال التي يمكن وصفها بـ«الحرب الأهلية الباردة»، التي تضع في المواجهة جزأين من السكان، مع نشاطات تعبوية كبرى مرموقة، من الجانبين، خلافاً لما كانت الحال مع تلك التي كان القذافي ينظمها في طرابلس، أو تلك التي ينظمها الأسد في سوريا، والتي تتخذ طابعاً وهمياً، بصورة جزئية. إن اليمن بلد يؤثر وضعه في المملكة السعودية مباشرةً، وهو ما يفسر لماذا تورط فيه السعوديون إلى هذه الدرجة: هم يدعمون علي عبدالله صالح، وكانوا وراء «استقالته». وهي مسخرة لم تخدع أحداً، ولا سيما المعارضة الجذرية، التي تواصل القتال.

إمبريكور: كيف تفسر أن النظام الجزائري لم يهتز بسبب التحركات الشعبية؟

جلبير الأشقر: يمكن أن نقول الامر نفسه، بخصوص العراق، والسودان، ولبنان، ايضاً. إنها بلدان شهدت فترات طويلة من الحرب الأهلية. وضمن ظروف كهذه، يصبح مفهوماً وطبيعياً أن لا يكون الناس ميالين جداً لنزع الاستقرار، في بلدانهم. فثمة خوف من المجهول، وخوف من انبعاث القوى السلفية الاكثر تطرفاً، وخوف من أن تتجدد، بما فيه عن طريق إساءة استخدام السلطة، تلك الحرب القذرة التي عرفتها الجزائر، والتي دفع السكان كلفتها. إن هذه اللوحة الخلفية بالغة الأهمية، ولا يجب أن ننسى أن الجزائر بلدٌ شهد، في العام ١٩٨٨، انتفاضة شعبية، لاشك في انها لم تكن بهذا الاتساع، ولم تكن لها أشكال التنظيم نفسها التي رأيناها، هذا العام، ولكنها أفضت، مع ذلك، إلى نوع من الحريات السياسية. لقد أعقب الصعودَ الانتخابي، الذي تلا ذلك، وحققته جبهة الخلاص الإسلامية (الفيس)، الانقلابُ الذي نعرفه، والحرب الأهلية. وطبيعي وعادي أن لا يتمنى الناس تكراراً لهذا السيناريو. وهذا عامل انسداد، في الجزائر، في غياب قوى قادرة على تنظيم عملية لِحام اجتماعي أفقي، على أُسس طبقية، يمكنها أن تكون قاعدة انتفاضة جديدة. لقد حصلت محاولات تعبئة، في الجزائر، ولكنها لم تجد صدىً كبيراً. والآفاق تبدو موصدة، بالأحرى، في الوقت الراهن. وقد يتغير ذلك إذااستمرت الحركة الإقليمية، التي بدأت في ديسمبر/كانون الأول ٢٠١٠، في تونس، في الاتساع. وعلينا أن نأخذ في الحسبان، أيضاً، واقع أن الجزائر ترى كيف أن تونس وليبيا، المجاورتين، تشهدان تحولاتٍ ديمقراطيةً تستفيد منها، في الحالتين، قوى إسلامية مشابهة لما كانت تمثله الفيس (جبهة الخلاص الوطني)، التي سبق قمعها في الجزائر. وهذا يمكن أن تكون له نتائج مباشرة على الوضع الجزائري، وهذا يقلق العسكريين الموجودين، في السلطة.

إمبريكور:هل تعتقد أن الثوريين قادرون على الانتصار في سوريا؟ ومن هم هؤلاء الثوريون؟

جلبير الأشقر: إن الانتفاضة الجماهيرية، في سوريا، هي قبل كل شيء انتفاضة للقاعدة الشعبية، التي يشكل الشباب رأس حربتها. إنها تعبير عن طفح الكيل بمواجهة دكتاتورية عائلية لها في السلطة ٤١ عاماً. فلقد استولى حافظ الأسد على السلطة، في العام ١٩٧٠، وتوفي في العام ٢٠٠٠، بعد ٣٠ عاماً قضاها في السلطة، ومذاك، منذ أحد عشر عاماً، بات في السلطة ابنه بشار، الذي جرت ترقيته إلى هذا المنصب، في حين لم يكن عمره يصل بعد إلى الـ٣٥ عاماً. هنالك إذا طفاح كيل يمكن فهمه بسهولة، ولا سيما ان المقَوِّم الاجتماعي الحاضر، في كل مكان، كلوحة خلفية، كبنية تحتية للانتفاضات، حاضر جداً، في سوريا. فهذا بلدٌ خاضع منذ عقود لإصلاحات اقتصادية ليبرالية، تسارعت في السنوات الأخيرة، وتعبر عن نفسها بغلاء معيشة متسارع، وبوضع اجتماعي بالغ الصعوبة، وفقرٍ شديد، (يعيش ٣٠% من السكان تحت مستوى الفقر)... وينضاف إلى ذلك الطابع الأقلَّوي الطائفي للسلطة، حيث أن الزمرة الحاكمة تنتمي في غالبيتها إلى الأقلية العلوية. وهذا كله يفسر أنه، حين جرى استلهام المثال التونسي، ثم المصري، ثم الليبي في الأخير، - بما فيه التدخل الدولي في البلد الأخير، الذي شجع السوريين على بدء العمل، على أمل أن يردع ذلك نظامهم عن القمع العنيف - شهدنا انفجار هذه الحركة التي لا يمكن أي قوة سياسية أن تزعم التحكم بها، وأقلَّ أيضاً أن تدَّعي أنها بادرت إليها. إن شبكات شباب، بوجه خاص، - كما نرى في كل مكان، من مراكش، وصولاً إلى سوريا، وهي تستخدم التقانات الجديدة للاتصال (كالفيسبوك، الذي يتم الكلام عليه كثيراً) – هي التي بادرت إلى هذه الانتفاضات ونظمتها، بشكل «لجان تنسيق محلية» تم توحيدها الآن، على أساس فدرالي، وهي تستمر في دفع الحركة. وهي لجان لا انتماء سياسياً لها.

بيد أن ثمة أيضاً قوى سياسية تتنظم، بهدف «تمثيل» الحركة. ولقد رأينا بروز قوتين، تجمُّعين، متنافسين. أحدهما يضم بشكل أساسي قوى يسارية لم يكن بعضها في المعارضة الجذرية للنظام، ولدى أفرادها مواقف ملتبسة إزاءه، بعد أن دعاهم للحوار، حيث ظنّوا أن بإمكانهم أن يدخلوا بصفة وسطاء بين الانتفاضة الشعبية والنظام، ويقنعوا هذا الاخير بإجراء إصلاحات. ولكنهم سرعان ما رأوا أن ذلك لن يُفلح، ومنذ ذلك الحين التحق معظمهم بهدف إطاحة النظام.

أما الجزء الآخر فيضم الأحزاب الأكثر جذرية في معارضتها للنظام، وهو كتلة متنوعة من القوى التي تتراوح بين الإخوان المسلمين (الذين يلعبون، هنا ايضاً، دوراً مركزياً) وحزب الشعب الديمقراطي (المنبثق من انشقاق للحزب الشيوعي السوري)، الذي تغير إيديولوجياً، «على الطريقة الإيطالية»، ولكنه يبقى معارضةً يسارية للنظام، فضلاً عن أحزاب كردية. ولقد شكلت هذه القوى المجلس الوطني السوري، الذي قبل به جزء هام من قاعدة الحركة الشعبية كممثل له، من دون أن يكون ذلك ناتج رقابة تقوم بها الشبكات المناضلة. إنها إذاً حالة خاصة تعبر عن نفسها بكونها اختارت أن تعهد برئاسة المجلس الوطني السوري لبرهان غليون، وهو مستقل، يساري، بالأحرى. ونحن نرى هذا الأخير يشارك اليوم، أكثر فأكثر، في لعبة دبلوماسية يقودها الإخوان المسلمون، بالاتفاق مع تركيا والولايات المتحدة. وهذه دينامية خطيرة.

أخيراً، ثمة المنشقون عن الجيش. فبعد عدة أشهر من القمع، حدَثَ ما حدث. حتى في غياب منظمة قادرة على تنظيم انتقال الجنود إلى صفوف التمرد الشعبي، عبَّر طفح الكيل لدى الجنود عن نفسه بارتدادات غير منظمة إطلاقاً، في البداية. ومنذ شهر أغسطس/آب 2011، أقاموا جيشاً سورياً حراً، على خلفية بداية حرب أهلية، مع مواجهات بين منشقِّي الجيش وحرَس النظام الدكتاتوري.

ثمة إذاً مروحة قوى في سوريا. فبسبب أن البلد لم يعرف حياة سياسية منذ عقود – مع ان النظام أقل استبدادية مما كانت عليه الحال في ليبيا - يستحيل أن نعرف ما هو الوزن النسبي لأي من الطرفين. وعلينا أن ننتظر إطاحة النظام لنرى القوة النسبية للتيارات السياسية المنظمة.

إمبريكور:فلنعد إلى ليبيا. هل يعني سقوط القذافي نهاية الحرب الأهلية، أو أننا نخاطر برؤية المواجهات المسلحة تتنامى، وإذا كان الجواب إيجابياً، فمن هم أبطالها؟

جلبير الأشقر: علينا أن نبدأ بالتشديد على أن أكثر من ٤٠ سنة من وجود نظام استبدادي، في ليبيا، كان قد ألغى أي شكل من الحياة السياسية. تبدو ليبيا، إذاً، كحقلٍ بكرٍ، سياسياً، ولا أحد يعرف أي مشهد سياسي سيتشكل فيها، ولا ما قد تعطيه الانتخابات، في هذا البلد، إذا ما حصلت انتخابات. وإذا كنت تعني بالحرب الأهلية الحرب التي بلغت أوجها مع توقيف القذافي، وتصفيته، ثم توقيف ابنه، فهذا انتهى الآن بشكل أساسي. أما ما هنالك الآن، فنحن إزاء وضع فوضوي، كما الحال تقريباً مع لبنان، في السنوات الأولى من الحرب الأهلية، بعد العام ١٩٧٥، أو، كما الحال في الصومال، إذا أخذنا حالة متطرفة. هنالك حكومة، ولكن ليست هنالك دولة. فإذا عرَّفنا الدولة، اولاً، وقبل كل شيء، بعمودها الفقري المسلح، لم يعد هنالك جيش في ليبيا وإن كانت هناك محاولات لإعادة تكوين جيش): هنالك مجموعة كبيرة من الجيوش، مبنية على أسس متنوعة، مناطقية، وقبَلية، وسياسية-إيديولوجية،الخ. والعامل المناطقي، بالمعنى الأضيق للكلمة – مصراتة، أو الزنتان، مثلاً – عامل حاسم. لكل منطقة ميليشياتها المسلحة.

وهذا يشهد، من جهة أخرى، على الطابع الشعبي للحرب التي أطاحت النظام. وليس من أدنى شك في أن ما رأيناه في ليبيا كان ثورة شعبية، وحتى حرباً شعبية، بالشكل الأكثر كلاسيكية: كان مدنيون من كل المهن قد تحولوا إلى مقاتلين، واندفعوا إلى المعركة ضد النظام. أما من اعتقدوا بأن تدخل الحلف الأطلسي يعني نهاية الطابع الشعبي للتمرد، ويحوِّل المتمردين إلى عملاء للناتو، فقد اقترفوا خطأ كبيراً. في كل حال، إن معظم من قالوا ذلك كانوا يسعون لتبرير دعمهم لنظام القذافي ضد الثورة الليبية. ولقد رأينا في اليسار الدولي مواقف شتى، وبلبلة لا توصف. فمن ظنوا أن الحلف الأطلسي قد يسيطر على الوضع في ليبيا بعد إطاحة القذافي، كانوا يغذون أوهاماً كبيرة. فالولايات المتحدة لم تنجح في السيطرة على العراق، بعد نشر قوات كثيفة في هذا البلد، فكيف يمكن الاعتقاد أن بإمكانها السيطرة على ليبيا، من دون أن تكون لديها قوات على الأرض؟!

إن الطاقة الكامنة للاحتجاج الشعبي، التي أطلقتها الانتفاضة ضد القذافي، لا تزال موجودة . ففي ليبيا، تشهد على ذلك، على سبيل المثال، المظاهرات التي تمت في ١٢ ديسمبر/كانون الأول، في بنغازي، ضد المجلس الوطني الانتقالي، وضد واقع أنه يسعى لاختيار الشخصيات المرتبطة بالنظام القديم. والحلف الأطلسي لم ينفك ينصح المجلس الوطني الانتقالي بدمج أعضاء نظام القذافي، موضحاً أن تلك هي الدروس المستفادة من الإخفاق العراقي. وهذا ما رفضه السكان، وثمة حركات شعبية تعارضه. كما يشهد على ذلك أيضاً تنظيم النساء. فللمرة الأولى تتشكل حركة مستقلة للنساء، وتتعبَّأ، سواء حول مسألة الاغتصابات، أو حول التمثيل السياسي. هنالك أيضاً احتجاجات مدنيين يريدون التخلص من الميليشيات. لقد باتت ليبيا بلداً تنفجر فيه الأمور، في كل الاتجاهات، وحيث تعبر الطاقة الكامنة، التي أيقظتها الانتفاضة، بقوةٍ، عن نفسها.

ومن المؤكد أن الآفاق إنما يشكل غيابُ يسارٍ معوِّقاً لها، نظراً لما كان واقعُ النظام، ولما فعله بأي شكل من أِشكال المعارضة السياسية، ولكن هنالك حالات تقدم طفيفة، مع ذلك – على سبيل المثال، تشكيل اتحاد للنقابات المستقلة أقام روابط مع مثيله المصري. وعلينا أن نرى ما سينتجه ذلك. في كل حال، وبخصوص الوقت الراهن، فبسب الشكل، بالذات، الذي اتخذته الانتفاضة، مع إطاحة النظام، وعلى الرغم من التدخل الإمبريالي، في النزاع، تُعَد ليبيا، بين كل بلدان المنطقة، البلد الذي عرف التغيير الأشد جذرية، حتى الآن. فنظام القذافي جرى تدميره، جذرياً، حتى إذا بقيت منه آثار تحفز حالات تعبئة شعبية. ولكن البنى الأساسية للنظام قد هوت، وهذا يختلف كثيرأً عن حالة تونس، وحالة مصر، ناهيكم عن حالة اليمن. ففي مصر، وأكثر أيضاً مما في تونس، لا تزال البنى الأساسية للنظام صامدة، وحتى السلطة في القاهرة إنما هي في يدَيْ طغمة عسكرية.

إمبريكور: إن تونس هي بين البلدان العربية البلد الذي تمتلك فيه منظمات الحركة العمالية – المؤسسات النقابية – أكبر قدر من التقاليد والهيكلة. ولكن الحركة العمالية تهمشت في سيرورة انتخابات المجلس التأسيسي. هل تعتقد أننا إزاء بداية تثبيت للاستقرار، أو أن هذه استراحة انتخابية؟

جلبير الأشقر: تونس بلد فيه برجوازية حقيقية، كانت تتسامح مع نظام بن علي، او تستفيد منه. وهذه البرجوازية لجأت إلى مخلَّفات نظام بورقيبه – إذاً النظام الذي سبق استيلاء بن علي على السلطة -، هذه المخلفات التي تتمثَّل بباجي قائد السبسي، وقد كان وزيراً أول، حتى الانتخابات. واليوم، تحاول البرجوازية التونسية اختيار الأكثرية الجديدة: حزب النهضة، والمؤتمر لأجل الجمهورية، وهو حزب الرئيس الجديد، منصف المرزوقي...والبرجوازية تستوعب هذه القوى وتتمثلها، لأنها لا تمتلك برنامجاً اجتماعياً أو اقتصادياً مناهضاً للرأسمالية. على العكس، تماماً، يتعلق الأمر إما بليبراليين ديمقراطيين تقدميين، إلى هذا الحد أوذاك، كالمرزوقي، أو بحركة إسلامية ذات أصول سلفية، كحزب النهضة، الذي ينتسب إليه الوزير الأول الجديد، حمادي جبالي، والذي يزعم أنه غيَّر جلده السلفي وأصبح معادلاً تونسياً لحزب العدالة والتنمية، الممسك بالسلطة في تركيا. ومثلما تكيََّف رأس المال التركي الكبير، كلياً، مع حزب العدالة والتنمية، الذي يقوده رجب طيب أردوغان، وقد أصبح، حتى، أفضل ممثليه، حالياً، تتطلع البرجوازية التونسية لاختيار النهضة ممثلةً جديدة لها.

في الوقت عينه، تستمر الحركة، في القاعدة. فما كانت الانتخابات تضع أوزارها حتى رأينا انتفاضة في حوض قفصه المنجمي، الذي كانت نضالاته، في العام ٢٠٠٨، بوجه خاص، تبشر بالثورة التي اندلعت في ديسمبر/كانون الأول ٢٠١٠. ولقد تناول الاحتجاج هذه المرة، تماماً كما في العام ٢٠٠٨، الشأن الاجتماعي، المطالبة بحق العمل، ومطلب االتوظيفات. وذلك سوف يتواصل، لأن الحركة في تونس قد انطلقت، على صعيد المسألة الاجتماعية، ولأن التحالف الموجود، اليوم، في السلطة، لا يملك جواباً عن هذه المسألة.

هنالك إذاً في تونس أرض مناسبة لبناء قوة سياسية تقوم على الحركة العمالية، شرط أن تأخذ قوى اليسار المبادرة في هذا الاتجاه.

إمبريكور:كيف تتطور حالات التعبئة في اليمن، بعد استقالة الرئيس علي عبد الله صالح؟

جلبير الأشقر: الحركة مستمرة أيضاً في اليمن. فقسم هام من المعارضة يفهم تماماً أن استقالة صالح ليست غير محاولة لتغيير الواجهة، من دون تغيير الأساس.

والمطلب الانفصالي يتخذ كذلك المزيد من القوة في اليمن الجنوبي، بمواجهة هذه التسوية قليلة الإقناع. ويجب ألا ننسى أن اليمن لم يتوحد إلا في العام ١٩٩٤، بعد انقسام طويل إلى دولتين. والدولة الجنوبية هي الوحيدة التي أعلن نظامها انتسابه إلى الماركسية، مع تجربة اجتماعية غير معروفة جداً، ولكنها لافتة للنظر. فبعد انحطاط بيروقراطي كان يشجعه الارتهان بالعلاقة بالاتحاد السوفييتي، انهار النظام، في الأخير، بعد نهاية الدولة الكبرى الوصية عليه. ولكننا نرى، من جديد، نمو مطالبةٍ بالانفصال، في الجنوب، الذي يعتبرنفسه متقدماً، على المستوى الاجتماعي، على الشمال، حيث البنى ما قبل الرأسمالية، القبَلية وغيرها، أكثر رسوخا.

ثمة أيضاً، في اليمن، عامل حربٍ طائفية، مع أقلية في البلد كانت هدفاً لهجمات من جانب النظام، كما توجد القاعدة هناك أيضاً، حيث أن اليمن هو اليوم، بلا ريب، البلد العربي الذي تُعدُّ شبكة القاعدة، فيه، الأقوى، على المستوى العسكري. اليمن هو إذاً برميل بارود يُحسب له حساب.

إمبريكور:كيف تنظر إلى صعوبة خوض أوروبا حملات التضامن مع الثورات في المنطقة العربية؟

جلبير الأشقر: خلافاً لما يدفعني سؤالك للتفكير فيه، أعتقد أنه كان هناك تعاطف كبيرجداً، حتى في الولايات المتحدة، مع الانتفاضة في تونس، وأكثر أيضاً مع الانتفاضة في مصر. أما السبب في أن ذلك لم يعبر عن نفسه بتحركاتٍ إنما يعود، كما يبدو لي، إلى أن الناس لم يجدوا سبباً خاصاً للتعبئة. لن أصنع تاريخاً افتراضياً، ولكنني اعتقد أنه لو حصلت محاولة تدخُّلٍ قمعيٍّ، من جانب الحكومات الغربية ضد الثورة في تونس، أو في مصر، لكنا رأينا بروز حركة تضامن هامة. ففي حالة ليبيا، كانت الحكومات الغربية تتدخل، من الجانب الجيد، على الأقل في الظاهر، في نظر الرأي العام. وفي الحالة الليبية، ينطرح عموماً السؤال المعاكس: لماذا لم تحصل تعبئة ضد هذا التدخل العسكري الغربي؟ أما في حالة سوريا، فالناس يسمعون أشياء متناقضة، ويرون أن موقف حكوماتهم «حذر»، الأمر الذي لا يحث على التعبئة...

أما أنا فأرى الأشياء بصورة مختلفة. إن صدى الانتفاضات العربية قوي جداً لدى سكان العالم. وقد سبق أن رأينا ذلك في تحركات فبراير/شباط ٢٠١١، في الويسكنسن، بالولايات المتحدة، التي كانت تتخذ مصر مرجعاً لها، كما رأينا، في المظاهرة النقابية الكبرى في لندن، في مارس/آذار، حيث كانت لافتات كثيرة تحيل إلى مصر، أو أيضاً في حركات الغاضبين في إسبانيا، وفي اليونان، ثم في زمن أقرب إلينا في حركة احتلّوا التي انتشرت في الولايات المتحدة وأماكن أخرى...في كل مكان نجد إحالات إلى ما يحدث في العالم العربي، و بخاصةٍ إلى الانتفاضة المصرية، لأنه حدث تركيز إعلامي أشد أهمية بكثير على الأحداث في مصر مما على كل ما تبَقَّى. الناس يقولون «سنفعل مثل ما فعلوا»، «لقد تجرَّأوا على فعله، وسوف نفعله»! وبالطبع، لا ينبغي المضي في المبالغات، في الاتجاه المعاكس. وإذ أقول هذا، أعي تماماً حدود ذلك كله، حتى حيث الحركات اتخذت انساعاً مرموقاً، كما الحال في إسبانيا. ليس ثمة اليوم، في أي من البلدان الأوروبية، شيء شبيه بما في العالم العربي، أي اندماج أزمة اجتماعية حادة مع حكومة مستبدة لا شرعية لها. ففي أوروبا، ومع أنظمة الديمقراطية البرجوازية، ليس للأشياء هذه الحدة، وثمة اللجوء المتواتر الدائم إلى صناديق الاقتراع، الذي يساهم في نزع فتيل العبوات المتفجرة.
هذا ولا يتعلق الأمر بتنظيم التضامن، في رأيي، لأنه ليس هناك الآن تدخل غربي ضد الانتفاضات في المنطقة. وإذا حصل ذلك، تكون ثمة حاجة، بالطبع، للتعبئة ضدَّه، ولكن الأهم، في الوقت الراهن، إنما هو الاستناد إلى المثال الإقليمي، الذي يبيِّن أن حركة جماهيرية يمكن أن تتسبب بتغييرات جذرية في وضع بلدٍ ما. وهذا هو ما يتحول اليوم إلى كرة ثلج، وهذا ما يبدو لي الأكثر إثارة.

إمبريكور:ألا تعتقد أن ثمة في اليسار التاريخي، التقليدي، الذي هو الآن مصاب كفايةً بالانحطاط،، أياً يكن، فقداناً لنقاط الاستدلال يكبح التعبئات؟ لقد ذكرتَ حركة الغاضبين، ولكن هذه هي أيضاً حركة تقول «ما من حزب أو نقابة يمثلاننا»، ولا تحس بأنها ترتبط،إذاً بهذا اليسار التقليدي، أو على الأقل ليس بالطريقة نفسها التي كان يتم بها في الماضي؟

جلبير الأشقر: أظن، بصورة أكثر أساسية، أننا نواجه، منذ سنين عديدة، تحولاً تاريخياً لأشكال اليسار السياسية، لأشكال الحركة العمالية، لأشكال صراع الطبقات. ويبدو لي أن هذا التحول يتفاوت فهمه كثيراً في ما بقي من اليسار. هنالك الكثير الكثير من الناس الذين يستمرون في التفكير، في إطار الفكر الموروث من القرن العشرين. والحال أن تجربة يسار القرن العشرين، الذي أفلس بصورة مأساوية، قد تم تجاوزها اليوم كلياً. يجب الارتباط مجدداً بتصورات لصراع الطبقات أكثر أفقية بكثير، وأقل عمودية بكثير من المثال الذي فرض نفسه ضمن اليسار منذ انتصار البلاشفة، في العام ١٩١٧. إن الثورة التقانية تسمح اليوم بأشكال تنظيمية أكثر ديمقراطية، وعمودية، وبواسطة شبكات، بكثير... وهذا ما يفعله الشباب، هذا ما نراه يفعل في الحركات الجارية، في العالم العربي. هذا من دون أن نقع ضحية أوهام: فالاعتقاد بأن الفيسبوك سيكون معادل الحزب اللينيني، في القرن الواحد والعشرين، إنما هو وقوع في الكثير من الأوهام. ولكن بين الحالتين، ثمة مكان لدمجٍ إبداعيٍّ لمنظمة سياسية أكثرديمقراطية بكثير، تشتغل وهي تستخدم هذه التقانات، قادرةً على الارتباط بالشبكات الاجتماعية والمواطنية، وقادرةً على استنفار الأجيال الجديدة. فالأجيال الجديدة وُلدت عملياً في هذه التقانات، ونحن نرى كيف تستعملها، وكيف هي منخرطة فيها. إن هذا يرسم مستقبلاً، يمر بإعادة تسلح سياسية، وإيديولوجية، وتنظيمية لليسار على المستوى العالمي. هذا هو التحدي المطروح، كما يُظهِر ذلك ما يحدث في العالم العربي. هذا التحدي كان قد ابرزه، من قبلُ، التمردُ الزاباتيُّ، الذي كان، سابقاً، محاولةً قويةً لإعادة اختراع أشكال التعبير عن اليسار الجذري، ثم مع الحركة لأجل عالم آخر، وتفكير مكوِّناتٍ لتلك الحركة، واليوم بين الانتفاضات في العالم العربي، والغاضبين، والداعين للاحتلالات، إلخ.، نرى انفجار تعبئاتٍ، ولا سيما لدى الشبية، التي تستخدم طرائق العمل هذه، ولكن ليس لديها وحدها. ينبغي أن يعرف اليسار الجذري أن يتزود بمصادره، ينبغي ان يتوصل إلى الدمج بين العتاد البرنامجي والنظري، الماركسي بوجه خاص، لليسار الجذري، وهذه الأشكال الحديثة، هذا التجديد الجذري لأشكال التنظيم والتعبير، لبناء يسار ثوري للقرن الواحد والعشرين.