سوريا: الحراك الثوري في شهره العاشر

العدد الاول - كانون ثاني ٢٠١٢
الدولة: 
سوريا
تاريخ النشر: 
كانون الثاني (يناير), 2012

تدفع الجماهير السورية الثائرة، منذ شهر اذار/مارس ٢٠١١، الكلفة الانسانية الاكثر ارتفاعاً، مقارنة مع الثورات العربية الاخرى، مثل ثورات مصر وتونس واليمن، في مواجهتها للقمع الدموي لدكتاتورية عائلة الاسد والطغمة الحاكمة. وباستثناء الثورة الليبية، التي تحولت إلى حرب اهلية ترافقت مع تدخل عسكري للحلف الاطلسي، باتت الثورة في سوريا، حتى الآن، الثورة الاكثر ارتفاعاً في عدد الضحايا والدمار.

لقد تجاوز عدد القتلى من المتظاهرين المدنيين الستة آلاف، ويقدر عدد الجرحى بنحو عشرين الفاً، ويتجاوز عدد المعتقلين الخمسين الفا. لكن هذا الثمن الباهظ للاحتجاج السلمي الثوري لم يفل عزيمة الثوار. حيث يتميز الحراك الثوري في سوريا بزخمه المتواصل، والمتصاعد، بالرغم من فتك آلة القمع والاستبداد. اذ تشير الاحصائيات إلى ان متوسط عدد المدن السورية التي تشهد احتجاجات يومية هو خمسين مدينة. وان متوسط عدد القتلى من المتظاهرين الذين يسقطون يومياً برصاص اجهزة الامن والجيش هو خمسة عشر قتيلاً(مع العلم ان هذا الرقم ارتفع كثيراً في الاشهر الثلاثة الاخيرة). كما يتميز بأنه استطاع الثوار، على رغم غياب وسائل الاعلام العربية والعالمية، بسبب منع السلطات السورية لها، ان يقدموا تغطية اعلامية واسعة للاحتجاجات، والاحداث شكلت مفاجأة للجميع واولهم السلطة الدكتاتورية. ولم يغب عن الحراك الثوري، كميزة واضحة له، المشاركة الفعالة للنساء فيه، مع شعارات وخطاب يدعو للحرية واسقاط النظام، وضد الطائفية، ومن اجل العدل والعيش الكريم.

لم تستطع وحشية النظام الاستبدادي، في قمعها الدموي للاحتجاجات، أن تسحق الثورة، أو أن تخضع عزيمة الجماهير الثائرة، التي تتمسك بحزم برغبتها بإطاحة السلطة الدكتاتورية المهيمنة على البلاد منذ اكثر من اربعين عاما.

لقد اعلن النظام السوري في ١٨ ك١/ديسمبر الماضي عن تصديقه على بروتوكول إرسال مراقبي الجامعة العربية إلى سوريا، في اطار ما يعرف بالمبادرة العربية، التي طرحتها الجامعة، في بداية تشرين اول/ اكتوبر من نفس العام، والمفترض بها حماية المدنيين، واطلاق سراح المعتقلين، وفتح حوار بين النظام والمعارضة، من اجل مرحلة انتقالية. ولكن الطغمة الحاكمة قامت بإرسال الجيش، غداة توقيعها البروتوكول، وشنت هجوما واسعا ووحشيا على كل المناطق التي تعرف تأججاً للاحتجاجات والمظاهرات، مثل حمص وادلب ودرعا وحماة ودير الزور. وقد تجاوز عدد ضحايا القمع بين يومي ١٩ و٢١ ك١/ديسمبر ٢٥٠ شهيدا. ما دفع بالمتظاهرين إلى رفع شعارات مناهضة للمبادرة العربية، لأن «المبادرة العربية تقتلنا»، كما صرخ المتظاهرون، الذين رأوا في الجامعة العربية، وعلى حق، مؤسسة مهترئة وفاسدة، في خدمة انظمة مستبدة وفاسدة تغطي جرائم النظام السوري الحاكم.

في الوقت عينه، قام الحليف الروسي للنظام السوري بتقديم مشروع قرار لمجلس الامن، في ١٥ ك١/ديسمبر، يعبر جزئياً عن ادانته لتجاوزات النظام «وافراطه باستخدام القوة»، من جهة. ويبدو ان الحكومة الروسية تسعى من خلال مشروعها المذكور إلى استباق –أو إجهاض- محاولات القوى الغربية لطرح مشروع اكثر حدة وعدائية تجاه النظام السوري، يفتح الباب امام استخدام الفصل السابع –اي استخدام القوة- من ميثاق الامم المتحدة، من جهة اخرى.

من جهتها، قامت الحكومة الايرانية، الحليف الثاني للنظام السوري، في نفس الوقت(ك١/ديسمبر)، بتوقيع اتفاق التجارة الحرة بين البلدين، ما يرفع عالياً وتيرة الدعم الاقتصادي الايراني للنظام السوري، بل قامت الحكومة الايرانية سلفاً بشراء نصف المنتوج الزراعي السوري لهذا العام.

ويأتي هذا الدعم في لحظة بدأ فيها الاقتصاد السوري بالانهيار السريع، بسبب تأثيرات العزلة والعقوبات الامريكية-الاوروبية والتركية والعربية، إذ بدأ ينضب الاحتياطي المركزي بالعملات الصعبة، المقدر بـ١٨ مليار دولار. كما أقر عدد من المسؤولين الحكوميين، في نهاية العام الفائت، بأن ارتفاع الاسعار في الشهرين الماضيين وحدهما قد استهلك ربع رواتب الموظفين. تضاف إلى ذلك حالة الشلل في مداولات السوق السوري، نتيجة الاحتجاجات منذ عشرة اشهر، وحالة البطالة الكاملة التي تعيشها الكتلة الاكبر من العاملين. يتفاقم الوضع الاقتصادي إلى درجة قيام النظام الحاكم بتقنين الكهرباء والمازوت، حيث تشهد العديد من المدن انقطاعاً للكهرباء يصل إلى ١٢ ساعة يومياً- يقال ان من اسبابها ايضاً شل امكانيات التواصل بين الثوار على الانترنت...- وشح توفر المازوت والارتفاع المذهل لأسعاره في فصل الشتاء. وتعاني العملة السورية انهياراً موازياً، فقد تدهور سعر صرفها امام الدولار واليورو، حيث قفز سعر صرف الدولار في الشهرين الماضيين من ٥٠ إلى ٦٠ ليرة سورية.

والبورجوازية السورية التقليدية، ومعها عائلات مسؤولي النظام، التي اغتنت وازدهرت بفضل ارتباطها العضوي الوثيق بالسلطة الدكتاتورية الحاكمة؛ وبحدسها الطبقي الحاد استشعرت هي نفسها مخاطر الثورة على مصالحها، وبدأت، منذ الاشهر الاولى للحراك الثوري، بتهريب اموالها وثرواتها خارج البلاد، وخاصة إلى لبنان وبعض دول الجوار، وان غابت تقديرات دقيقة لما تم تهريبه، وهو بالعشرات من مليارات الدولار.

لم يكن هدف القمع الوحشي الذي تمارسه قوات الامن والجيش، بحق الاحتجاج السلمي، والمعاملة المتوحشة التي يتعرض لها المعتقلون وسكان المدن الثائرة، محاولة القضاء على الحراك الثوري فحسب، بل كان لهما هدف اخر هو دفع الثوار إلى حالة من الغضب من وحشية النظام تجعلهم يلجأون إلى العنف المضاد والانتقام المسلح، ما يبرر للسلطة ادعاءاتها بأنها تواجه «مجموعات ارهابية مسلحة»، كما ادعت ذلك منذ الاسبوع الاول من الحراك الثوري، وهو ما قد يشرِّع لها، من وجهة نظرها، حينئذ، وحشية ممارساتها ولا انسانيتها.

لكن اللجوء إلى السلاح في مواجهة النظام الدكتاتوري بقي محدوداً، وبالرغم من ازدياد عدد العسكريين المنشقين، يبقى الطابع العام للحراك الثوري سلمياً بوسائله النضالية: مظاهرات واعتصامات واضرابات...و لكي لا يتحول التواجد المسلح المحدود للمعارضين للنظام إلى حالة من الفوضى والحرب الاهلية، يلزم موقف واضح وصارم بضرورة اعادة ضبط التواجد السياسي المسلح المعارض، بربطه بالقوى السياسية الثورية واخضاعه للبرنامج السياسي للثورة السورية، كشرط اساسي لكي لا يحل السلاح المحدود مكان الجماهير الواسعة، الثائرة في مواجهة النظام، مع ما لذلك من تأثيرات سلبية على مسار الحراك الثوري ومآلاته.

لقد فشل النظام الدكتاتوري، حتى الأن، في جر الحراك الثوري إلى ساحة الصراع المسلح، مثلما فشل، على الأقل مؤقتاً، في حرفه، بالتالي، إلى صراع طائفي وحرب اهلية بقي يلوح بها، لتخويف قطاعات واسعة من الشعب السوري، ومنعها من المشاركة في الثورة، أو تحييدها.

حمص،عاصمة الثورة، وقلبها، والإضراب العام

تشكل مدينة حمص، في وسط سوريا، نموذجاً لهذا الفشل المزدوج للنظام، فقد اصبحت حمص في الاشهر الاخيرة حقاً قلب الثورة السورية، وهذا ما دفع بالنظام واجهزته وميليشياته إلى ارتكاب ابشع الجرائم، لتحريض السكان، وتأليبهم بعضهم ضد بعض، على اساس طائفي قميء، من خلال تشجيع عمليات الخطف والقتل المتبادلين، ولكنه فشل في مخططه الجهنمي هذا. ويعود الفضل في فشله في افتعال صراع طائفي في حمص إلى ان القوى المحركة فيها، على سبيل المثال، هي قوى مدنية وعلمانية، وبعضها له طابع يساري، مثل تجمع نبض للشباب المدني، او اللجنة التنظيمية لشباب حمص، وغيرهما من المجموعات والهيئات. وينطبق الامر نفسه على الشخصيات الرمزية التي ابرزها الحراك في المدينة، حيث نجد، على سبيل المثال، عبد الباسط الساروت، وفدوى سليمان، وعلي ملحم(معتقل في شهره الثالث)، وغيرهم من الشخصيات، التي تعبر عن انتماءات مختلفة، لكن يوحدها عداء صريح للنظام وانتماء حازم بالثورة، ووعي ديمقراطي ومدني رفيع.
مما لا شك فيه أن الحراك الثوري شهد تطورا ملحوظا مع الدعوة التي اطلقت لإعلان الاضراب العام بدءا من ١١ ك١/ديسمبر ٢٠١١، وهو ما يزال جاريا حتى كتابة هذه الاسطر. وقد حظيت هذه الدعوة، ولأول مرة، لإعداد جيد نسبيا، وتوافقت عليه وعلى تاريخه أغلب القوى السياسية المعارضة والتنسيقيات الثورية، مقارنة بالأشهر السابقة حيث كان كل طرف يدعو اعلاميا إلى اضراب في تاريخ خاص فيه ثبت فشله. وسجل الاسبوع الاول من هذا الاضراب العام نجاحاً بارزاً، حيث شمل اغلب المحافظات السورية، اي انه اصبح اضرابا وطنيا. لكنه فيما بعد انحصر نسبياً بالمناطق الساخنة التي تعتبر مراكز حية للحراك الثوري. وبنظرة سريعة يمكننا ان ندرك ان شرارة الثورة وقلبها الحي والصامد هما نفس المناطق التي تعتبر مناطق الشرائح الاجتماعية المهمشة، والمفقرة في سوريا، والتي كانت وما تزال ضحية السياسات الليبرالية المتوحشة للحكومة السورية، وهي الشرائح الاجتماعية التي تضم العمال والعاطلين وصغار الكسبة وفقراء الفلاحين والشرائح الدنيا من البرجوازية الصغيرة، وهي لم يعد لديها ما تخسره سوى قيودها، وهذا ما يفسر شجاعتها وصمودها النادرين، في مواجهة اعتى آلات القتل.

وباستثناء الدعوة له، لم يحظ الاضراب العام باهتمام يذكر من طرف القوى السياسية المعارضة، ان كان على صعيد متابعته او تنظيمه او تنسيق نشاطاته او استخلاص الدروس من يومياته وتعميمها. وهذا ما اضعف من زخم الاضراب العام ومن قدرته على التأثير الفعلي في تغيير موازين القوى لصالح الثورة في مواجهة النظام الحاكم. ولقد حدَّ هذا الامر ايضاً من تأثير الاضراب العام في جذب قطاعات جديدة وواسعة من السكان، للانخراط بالحراك الثوري، وخاصة العمال والطلبة...

في واقع المعارضة الراهنة

تندرج القوى السياسية المعارضة الاكثر ظهوراً إعلاميا في تكتلين سياسيين أساسيين. الأول هو هيئة التنسيق الوطنية للتغيير الديمقراطي، وتضم بعض من نجا من القمع من احزاب اليسار التقليدي الماركسي والقومي، اضافة إلى شخصيات عامة. وهي اتسمت في بداية الثورة- وما تزال- بموقف مائع وملتبس من قضية اسقاط النظام، موقفٍ هو مصدر الانتقادات اللاذعة التي توجه لها والنفور الواسع من الثوار تجاهها. وتدعو الهيئة كالعديد من غيرها من قوى المعارضة السورية إلى بناء دولة مدنية ديمقراطية تعددية، ولكن ما هو واضح ان قوى المعارضة المختلفة لا تملك تعريفاً واضحاً لهذا المفهوم الملتبس لدولة «مدنية». تفتقر هيئة التنسيق، ولا يقتصرالامر عليها وحدها، إلى موقف صريح وواضح من قضية فصل الدين عن الدولة، اي غياب السمة العلمانية من رؤيتها لتلك الدولة «المدنية» و«الحديثة» التي طالما اطنب مثقفو المعارضة في مديحها.

أما التكتل أو التحالف السياسي الثاني المعروف فهو المجلس الوطني السوري، الذي يحظى بلا أدنى شك بتغطية اعلامية ودبلوماسية ومالية واسعة من قبل بعض دول الخليج، وخاصة قطر، اضافة إلى تركيا والدول الغربية. ويشكل الاخوان المسلمون النواة الصلبة الاساسية في هذا التحالف. ويدعو المجلس بشكل شبه صريح إلى تدخل عسكري دولي، ويذكر انه، اي المجلس، حظي بدعم معنوي هام من المتظاهرين، لحظة تأسيسه، لكنه بدأ يفقد هذا الدعم، نتيجة تخبط مواقفه وتصريحاته ونزعاته الداخلية المعلنة، وغياب استراتيجة موحدة واضحة له، مع غياب نتائج عملية على الارض تعزز الحراك الثوري. ويشارك المجلس هيئة التنسيق بسمتين أساسيتين، الاولى هي هوسهما المشترك باستلام السلطة او المشاركة فيها، وهذا الهوس يشكل محور كل نشاطاتهما، وينتج منه ان ساحة فعلهما السياسي هي التعامل او التفاوض مع القوى الاقليمية والدولية، هيئة التنسيق تتجه نحو إيران وروسيا اساسا، والمجلس نحو قطر وتركيا والولايات المتحدة والدول الغربية اساساً، ويبدو ان الحراك الثوري على الارض يشكل آخر همومهما. علماً بأنهما غائبان إلى حد بعيد عن التصدي الفاعل والمدروس، والدائب، لمساعي النظام لتأجيج التنافر المذهبي والطائفي، الذي يهدد بتفجير صراعات أهلية مدمرة.

المسألة الطائفية والموقف من العلمانية

هذا ويغيب عن كلا التحالفين تعريف صريح لكلمة «المدنية»، في وصفهما للدولة المنشودة، اي غياب تضمنها لفصل الدين عن الدولة، وما لذلك من تأثير على مستقبل البلاد، على ضوء ما يجري في تجربة الثورتين المصرية والتونسية، حيث ارتكبت القوى اليسارية والديمقراطية العلمانية خطأ فادحاً بتنحيتها مطلب العلمانية، في نضالها المشترك مع الاسلاميين ضد نظامي مبارك وبن علي، ما افسح في المجال واسعاً أمام تزايد النفوذ السياسي للقوى الدينية المحافظة والرجعية، وشكل هذا التقصير من اليساريين والديمقراطيين العلمانيين خطأ تكتيكياً واستراتيجياً لن تنتهي مفاعيله سريعا.

ولكن القوى الفاعلة والفعلية المحركة للثورة، في سوريا، ليست هاتين الكتلتين المذكورتين، بل هي المجموعات و«التنسيقيات» الثورية المتعددة، والمنتشرة في اغلب المدن والمناطق، وليست تلك التي نسمع عنها مراراً في وسائل الإعلام هي، بالضرورة، تلك التي تقود فعلاً الحراك الثوري على الارض.

إن القمع الدموي للنظام والتصفيات المتوالية لثلاثة أجيال من قادتها الميدانيين الثوريين، الذين تعرضوا للاغتيال، او القتل تحت التعذيب، او يقبعون في السجون، او فروا خارج البلاد، هو الذي حد من قدرتها على توحيد نشاطها ومركزته على الصعيد الوطني، ومنعها من تشكيل هيكلية مركزية وطنية تضم هذا العدد الكبير من التنسيقيات والتجمعات الثورية المنتشرة على الصعيد المحلي. ويصبح العمل على توحيدها على اساس ديمقراطي وفعال تطوراً هاماً على صعيد الحراك الثوري، وسيرفع من قدرات الجماهير الثائرة على اسقاط النظام بأقل تكلفة، وبأسرع وقت ممكن.

في الوقت عينه، فإن تشتت هذه المجموعات والتنسيقيات الثورية، وهو امر سلبي على صعيد الحراك الثوري عامة، كان له اثر ايجابي محدود، حيث أنه، في رأي الثوريين، قد خفف من امكانية اختراقها الامني، وتوجيه ضربات اكثر ايلاماً لها.

و في هذا الاطار، يدور، منذ وهلة، حوار على هذا القدر أو ذاك من الجدية، حول ضرورة بناء ائتلاف واسع يضم القوى الثورية الفاعلة على الارض، خارج اطار التكتلين المذكورين اعلاه، ويشمل في طياته ايضاً القوى الديمقراطية العلمانية واليسارية. وهو يتطلع لأن يمحور نشاطه حول تعزيز الحراك الثوري وإسقاط النظام، على اسس ديمقراطية و«علمانية» ثورية، مدنية واجتماعية.

وتبدو الاحتمالات المفتوحة امام مسار الثورة عديدة، ليس فيها ما هو حتمي بالمطلق، ويمكن اختصارها بثلاثة احتمالات سلبية، إجمالاً، اضافة إلى يقين واحد.

الاحتمال الاول، هو أن يحصل تغيير محدود ضمن اطار النظام القائم، يسمح بالإبقاء على اسسه، مع تقديمه لبعض التنازلات والتضحيات الفوقية، أكان على شاكلة ما حصل في مصر، او في اليمن خصوصاً. ولا توجد، في اللحظة الراهنة، معطيات ملموسة تعزز من حظوظ هذا الاحتمال، لا من داخل النظام، ولا من جهة الحراك الثوري، الذي يتمسك بكل شجاعة بمطلب اسقاط النظام كله.

الاحتمال الثاني، هو تدهور الاوضاع الداخلية، ربما مع تدخل عوامل اقليمية ودولية تسرِّعه، بغياب توجُّهٍ واضح لصالح الاحتمال الثوري، ومع ازدياد منفلت للتسلح، ما يخلق نوعاً من التعفن المتزايد للوضع الداخلي واحتمال انزلاق البلاد إلى كارثة حرب اهلية طائفية، وهو احتمال عمل على تأجيجه النظام الدموي ويلوح به، ولكن الجماهير الثائرة استطاعت، حتى الأن، افشاله وخاصة في مدينتي حمص واريافها واللاذقية.

الاحتمال الثالث، هو التدخل العسكري الخارجي، بدءاً من تنفيذ الدعوة إلى منطقة الحظر الجوي او الممرات الآمنة، او المناطق العازلة، وصولاً إلى التدخل على الارض، أكان عربياً ام غربياً ام مشتركاً. حيث نجد ان هيئة التنسيق الوطنية لا ترفض تدخلاً عسكرياً عربياً، بينما المجلس الوطني يشجع تدخل الحلف الاطلسي او تركيا. ولكن لم تنم، حتى إشعار آخر، عن مسؤولي الدول الغربية او الحلف الاطلسي، اية اشارة، تشير إلى نية لديهم بالقيام بهكذا تدخل، بل يستبعدون ذلك، وخصوصاً انهم لم ينتهوا بعد من امتصاص تأثيرات احتلالهم للعراق وتدخلهم الباهظ الثمن في ليبيا، على ارضية ازمة مالية عالمية تعصف بالنظام الرأسمالي العالمي منذ سنوات، وتتفاقم. كما اعلن المسؤولون الغربيون والاتراك عن خشيتهم من مفاعيل تدخل عسكري في سوريا، البلد غير النفطي، ذي الموقع الجيو سياسي الحساس، والذي يعتمد على حلفاء يتفاوتون قوةً، كإيران، وحزب الله، والعراق، وغزة؟، ما قد يهدد بإشعال نيران حرب اقليمية غير معروفة النتائج. من دون ان ننسى ان الجماهير الثائرة في سوريا، وإن حمل بعضها لافتات تدعو للحماية الدولية للمدنيين، فغالبيتها ما تزال تتوجس من تدخل عسكري خارجي.

و أخيراً، لدينا «يقين» واحد، يستند بالفعل إلى «تفاؤل الارادة»، المعتمدة على قراءة الوقائع المتغيرة، لغير صالح الاستقرار الرجعي في المنطقة العربية، وأبعد منها. هو يقيننا بأن الجماهير الثائرة السورية ستنتصر في هذا الصراع مع الدكتاتورية وستسقط نظام الطغمة الحاكمة، عاجلاً ام آجلا.

لن تتوقف السيرورة الثورية التي تشهدها سوريا والمنطقة عموماً غداً، بل انها تفتح لمرحلة ثورية تمتد على مدى سنوات قادمة، لن تقتصر فحسب على منطقتنا. ذلك أنها سيرورة دائمة لن تتوقف عند تحقيق المطالب الديمقراطية فحسب، بل سيبرز كل يوم بشكل واضح مضمونها الاجتماعي. وستنتقل شعوبنا، على الأرجح، من اسقاط النظم الدكتاتورية إلى اسقاط دكتاتورية رأس المال.. وهنا يكمن الدور الاساسي لليسار الثوري في سوريا وعموم المنطقة، اي بناء الذات، من خلال الانخراط الكامل في الحراك الثوري الدائر.

يقين واحد: ستنتصرحركة شعوبنا، وذلك بمقدار ما يقفز إلى الواجهة لاعبون جدد، الطبقة العاملة المهمشة نسبياً، إلى الآن، والفاقدة لقيادة ثورية، ولكن التي لن تعتِّم أن تنتج هذه القيادة، خلال تطور الصراع، ليس في سوريا وحدها، بل في المنطقة العربية بأسرها، وأبعد من ذلك.