الثورة العربية، أمام الجدار الطائفي اللبناني، وعوائق أُخرى

العدد الاول - كانون ثاني ٢٠١٢
الدولة: 
لبنان
الملف: 
المسألة الطائفية والعلمانية الثورية
تاريخ النشر: 
كانون الثاني (يناير), 2012

م تصل الثورة العربية إلى لبنان. وإن كانت أحدثت بعض الارتدادات الخفيفة، إجمالاً، في الربيع الماضي، تمثلت في الحِراك الشعبي المناهض للنظام الطائفي السائد لدينا، والذي عبَّر عن نفسه، في المظاهرات لأجل إطاحة هذا الأخير، بوصفه أحد أهم العوامل التي تعيق عملية التغيير الثوري، في البلد العربي الوحيد، الذي كان يتمتع، منذ استقلاله عن الانتداب الفرنسي، بقدرٍ ملموس من الحريات الديمقراطية، استطاع أن يحافظ عليه، أو على الأقل، على جزء أساسي منه، بصورة أو بأخرى، وذلك على الرغم من الخضّات العميقة، التي شهدها، منذ بدء الحرب الأهلية، في العام ١٩٧٥، وأثَّرت سلباً، إلى هذا الحد أو ذاك، وبصورة متفاوتة، في واقع تلك الحريات. وهي الخضَات، التي ترافقت، بوجه أخص، مع التدخل العسكري للنظام السوري، في العام ١٩٧٦، من جهة، والاجتياح الإسرائيلي للعام ١٩٨٢، من جهة أُخرى، وصولاً إلى مصرع الرئيس الأسبق للوزراء، رفيق الحريري، وقبل مغادرة الجيش والمخابرات السورية الأراضي اللبنانية، بوقت قصير.

في كل حال، حتى قبل بروز هذا العامل المسهِّل لإمكانيات الانفجار الثوري، في الساحة اللبنانية، المتمثل بالسيرورة الثورية، التي تشهدها، منذ الشتاء الماضي ٢٠١١، العديد من البلدان العربية، عرفت هذه الساحة العديد من الهزّات الجماهيرية العارمة، التي كانت تنطوي، في جانب منها، على بذورٍ ثورية فعلية، وذلك سواء في أواسط القرن التاسع عشر (العام ١٨٥٩، تحديداً)، أو في أواخر الخمسينيات من القرن العشرين، أو في الربع الأخير منه.

بَيْدَ أنه، في كل من تلك الحالات، كانت البنية الطائفية للبلد تلقي بظلالها، سريعاً، على الاندفاعة الأصلية، التي تتضمَّن تلك البذور، أو تتغذى بها. وهو الأمر الذي كان يُفضي، دائماً، تقريباً، إلى تحوُّل انتفاضاتٍ شعبية إلى صراعات أهلية، وفتَنٍ دموية مدمِّرةٍ، تترك آثاراً سلبية عميقةً، في الواقع الاجتماعي – الاقتصادي للبلد، كما في بنيته السياسية، وما يصاحبها من أشكال «الوعي» الطائفي، أو حتى المذهبي، وتساهم في إبعاد عملية التغيير الثوري إلى زمن غير معروف.

حتى أن كثيرين، سواء في الوسط الجماهيري الواسع، أو حتى من النخبة الثقافية، والفكرية الضيقة، باتوا يعتقدون أن هذه الظاهرة إنما هي قدَرٌ لا مهرب منه، بالنسبة للحالة اللبنانية، حسبما يمكن استشفاف ذلك من استنتاجٍ جازم، ويائس، في آن، وارد في الكتابات الأسبوعية للشاعر والصحفي اللبناني، أنسي الحاج، الذي نقرأ له، في نصٍّ منشور في جريدة الأخبار، البيروتية، في ٢٤ تشرين الثاني/نوفمبر ٢٠٠٨، ما يلي:
«ولو كان هناك أملٌ بثورة شعبية عامة تُغيِّر الواقع لهانت الآلام. ولكننا ممسوكون، على نحوٍ من الجهنمية، بحيث لا مجال معه، في المدى المرئي، لانتفاضة جماعية، إلا تحت طائلة تحويلها فتنةً طائفية أو مذهبية.»(!)

فالجميع يعرفون كيف أن ثورة الفلاحين، في منطقة كسروان، في العام ١٨٥٩، بقيادة طانيوس شاهين، سرعان ما جرى حرفها عن مسارها الأساسي، بما هي التعبير الأمثل عن الصراع الطبقي، في الريف الماروني، في تلك الحقبة البعيدة، وذلك لتصبح، بعد ذلك، لا أكثر من حرب أهلية بشعة، امتدت لتشمل جزءاً كبيراً من الجبل اللبناني، وتلتهم بنارها جمهوراً واسعاً من الفلاحين الموارنة والدروز. وهو ما استدعى أول تدخل كبير للعامل الخارجي، في الشأن اللبناني، مع مسارعة أوروبا الاستعمارية، من جهة، والسلطة العثمانية المتداعية، من جهة ثانية، لفرض أول تسوية على أهل الجبل المذكور، تأخذ العامل الطائفي بالحُسبان، وتضع أسس تأبيده،على المستوى السياسي، ليس فقط في ما كان يُدعى آنذاك جبل لبنان، بل أيضاً في ما سيصبح، مع الانتداب الفرنسي، في العام ١٩٢٠، لبنان الكبير.

والأمر نفسه، مع حفظ الخصوصيات التاريخية، يقال أيضاً بصدد أحداث العام ١٩٥٨، التي أخفقت في ان تحافظ على طابعها الوطني، التقدمي،الأساسي، في مواجهة حكم شمعون، الرجعي، الموالي للغرب الامبريالي، ولمصالح الاحتكارات الرأسمالية، المحلية والأجنبية، وإن كانت السرعة، التي تم خلالها التوصل إلى تسوية، حالت دون أن تبلغ السِّمةٌ الطائفية للصراع حدودها القصوى. وهو ما سنعاينه، خلال الانفجار الأخير، الذي طال أمده(١٩٧٥ – ١٩٩٠)، وبرزت فيه السِّمةُ المذكورةُ، بكامل بشاعتها وحدَّتها، مع أن المرحلة التي، سبقته، كانت تعِدُ، بما سبق أن شهدته من نضجٍ للصراع الطبقي، وللمسألتين الوطنية والقومية، بتحولاتٍ ثورية حقيقية. وهذا هو ما انطلق منه الرأسُ الأعلى للحركة الوطنية اللبنانية، كمال جنبلاط، في حديثه عن المرحلة الأولى من ذلك الانفجار، التي عُرفت بحرب السنتين (١٩٧٥ – ١٩٧٦)، في الكتاب الذي صدر له، بعد الممات، وذلك باللغة الفرنسية، بعنوان Pour le Liban، حين أورد أنه كان يعتبر، في بدايات تلك الحرب، ولا سيما خلال صعود مقاتلي الحركة الوطنية إلى أعالي صنين، أن الأحداث التي كانت تتم، آنذاك، «وهي نسخة – في رأيه – عن أحداث ١٨٥٩، إنما هي، بالنسبة إلينا، نوع من ثورة ١٧٨٩ (أي الثورة الفرنسية)، ولكن على الطريقة اللبنانية، حيث تمتزج الفظاعة بالبطولة». وهي ثورة رأى جنبلاط أنها، عل رغم ما شابها من مشاكل ومعيقات، وأهوال، «سوف تنتصر، عاجلاً أو آجلاً»، في الوقت نفسه الذي اعترف فيه بأن الحركة الوطنية (المتحالفة مع المقاومة الفلسطينية) فوَّتت فرصةً تاريخية للتغيير الجذري، «فرصةَ أن نحوِّل، اخيراً، مؤسساتٍ مطيَّفةً ومتصدعةً إلى مؤسسات علمانيةٍ وديمقراطية حقّاً».

وبالطبع، لم تكن المسألة الطائفية(والمذهبية) السببَ الوحيد، الذي بات يعيق، اليومَ، التحاق نسبة عالية من الجماهير اللبنانية بالجماهيرالشعبية العربية، في أقطارٍ عديدة شتى، في إنتاج ثورتها الخاصة بها، بل تمكن الإشارة، أيضاً، إلى عواملَ معيقةٍ عديدة أخرى، لعبت، وتلعب، دوراً مؤثراً في الحيلولة دون انخراط غالبيةٍ واسعةٍ من الشعب اللبناني، في ما بات معروفاً ب»الربيع العربي».

عوامل معيقة أخرى

 

العوامل هذه ذات تأثيرٍ متفاوت، بالتأكيد، ولكنها تضطلع، أيّاً يكن، بدورٍ جدي، في تأخير بلوغ الشرارة الثورية الركام سريع الاشتعال، الذي يحفل به الواقع اللبناني، منذ زمن غير قصير. ويمكن اختصار العوامل المشار إليها بما يلي:

أولاً-الإمكانات التي تبقى متوفرة للهرب من أسباب البؤس الاجتماعي – الاقتصادي، والتحايل عليها، على الأقل، مؤقتاً، في الكثير من الأحيان، ولكن أيضاً بصورة شبه دائمة، احياناً اخرى. وهي التالية :

أ- «التقليد» المعتمد، بشكلٍ طاغٍ، منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر، بوجه أخص، المتمثل بحلِّ الكثيرين أزماتهم المعيشية، عن طريق السفر. وهو ما وصلت الأمور معه إلى حد أن عدد من هم من أصلٍ لبناني، في المغتربات المختلفة، يعادل أضعاف الباقين في الوطن. الأمر الذي شهد تزايداً شديداً، منذ بدء الحرب اللبنانية، في اواسط السبعينيات من القرن الماضي (في دراسة نشرها الجيش اللبناني على موقعه في الإنترنت أن عدد هؤلاء،من أول الحرب حتى العام ٢٠٠٠، بلغ ٩٠٠ ألف نسمة). ومع أن السبب الرئيسي الذي كان وراء هذا الحل، اي الوضع الأمني، آنذاك، لم يعد موجوداً، فالبطالة وقلة العرض في سوق العمل، بمقابل كثرة الطلب، ناهيكم عن وفرة اليد العاملة الماهرة، وبوجه أخص، بين المتخرجين من الجامعات والمعاهد العلمية، والمهنيات، في العقود الثلاثة الأخيرة، ووجود طلب، وإن نسبي، على ذلك، في بلدان شتى، ولا سيما في الخليج العربي، كل ذلك يجعل الهجرة ضرباً أساسياً من ضروب الحل الفردي للأزمة المعيشية. هكذا تنقل مؤسسة البحوث والاستشارات (CRI) دراسةً لـ«منظمة العمل الدولية»، التي أطلقت مشروع «دعم خدمات التوظيف العامة»، قبل سنوات قليلة، تعتبر ان ثمة، سنوياً، ما لا يقلُّ عن ١٣٥٠٠ مهاجر إضافي، معظمهم من الخريجين، المنوَّه بهم أعلاه، ينضمَُون إلى الاعداد الكبيرة من المهاجرين سابقاً، علماً بأن هذا العدد ربما يكون أقلَّ بوضوح من العدد الفعلي للمسافرين، بحثاً عن عملٍ في الخارج. ولا ريب في أن بين الأسباب الأهم التي تتيح لهؤلاء ممارسة رغبتهم في الامتناع عن المواجهة المباشرة لمشكلتهم، واستسهال السفر، إنما هو القَدْر المتوفر - بنتيجة المرحلة الذهبية للصراع الطبقي، ومن ضمنه نضال التلامذة والطلاب لأجل حقوقهم في الحصول على المعرفة والتعليم، حتى أعلى المستويات، قبل الحرب الأهلية اللبنانية- مما يمكن وصفه بـ«ديمقراطية التعليم»، سواء منه الجامعي (إنشاء الجامعة اللبنانية، وتوسيعها، ورفع مستواها)، أو ما قبل الجامعي، الرسمي.

ب – وجود نسبة عالية من المقيمين، غير الحاصلين على الجنسية، فوق الاراضي اللبنانية،كاللاجئين الفلسطينيين، بوجه خاص، الذين لا يتمتعون بالحقوق المفترض أن تكون في متناولهم، ولا سيما الحق في العمل. وهو أمر ليست مسؤولة عنه القيادات الفلسطينية المحلية،وحدها، بل كذلك الأحزاب اللبنانية المسماة وطنية وتقدمية، والتي لا تتضمن برامجها الاهتمام بالتعبئة، في صفوف اللاجئين الفلسطينيين المنوه بهم وتنظيمهم، والدفاع عن حقوقهم الأساسية. بمعنى آخر، فإن هذا الواقع، الذي يتناول مئات الألوف من الناس (٤٠٠ ألف فلسطيني، بحسب إحصاءات الـUNRWA، أكثر من 250 ألفاً من بينهم موجودون، بالتأكيد، في لبنان) يجعلهم لا يفكرون، أصلاً، بالانضواء، في أي حراك نضالي محلي، ذي طابع مطلبي، وبوجه أخص، ذي طابع ثوري.

ج – العدد غير البسيط، والذي قد يصل إلى عشرات الآلاف من الوظائف الوهمية، أو شبه الوهمية، في المرافق الرسمية (وظائف إدارية، وقطاع عام)، التي يشغلها، ويتلقى رواتب وأجوراً عنها محازبون، وأنصار للرموز القيادية، في الطوائف والمذاهب، كما في الأحزاب والمنظمات الموجودة في السلطة، إجمالاً،أو المقربة منها، على اختلافها. وهو واقع سيظل مفتوحاً، طالما بقيت الحالة المتمادية من أقصى الفساد، في الدولة اللبنانية،سائدةً ومستمرة.

د – الإمكانية المتوفرة، دائماً، منذ بدايات الحرب الأهلية، وإلى الآن، للسطو، من دون عقاب، أو محاسبة، على الأملاك العامة، سواء منها البحرية، او البرية، وذلك ليس فقط من جانب القوى المتنفذة، في أعلى مواقع السلطة، بل حتى من جانب الكثير من الناس العاديين، ممن يستفيدون من دعم الأحزاب الطائفية المسيطرة، وتغطيتها لتجاوزاتهم. وهو ما يعبر عن نفسه بوجود مئات الآلاف من المساكن التي أقيمت في المشاعات البلدية، وأراضي الدولة، على اختلافها، في العقود الأخيرة، بما فيه في السنوات القليلة الماضية.

ه – المداخيل التي باتت تتأمن لعدد واسع من الناس، في صفوف الخريجين، وأوساط الشبيبة،إجمالاً، عن طريق المساعدات القادمة من بلدان شتى، ولا سيما الاتحاد الأوروبي، والولايات المتحدة، لما بات معروفاً بالجمعيات غير الحكومية، التي إذا كانت تضمن، أحياناً، وبالفعل، الاضطلاع بوظائف تخدم حماية الحريات، وحقوق الإنسان، والبيئة، وبعض قضايا التنمية، إلا ان الأهداف الأساسية لكثير منها إنما هي إفساد قطاع واسع من الشبيبة المتعلمة، وإبعاده عن النضال السياسي، وعن أي تطلعات جدية للتغيير الثوري.

و – الأموال الطائلة التي يرسلها المهاجرون، أو المسافرون مؤقتاً، إلى اهلهم في لبنان، والتي تقدرها بعض الدراسات بحوالى الثمانية مليار دولار سنوياً. وتورد دراسة لموقع الجيش على الإنترنت أن التحويلات من الخارج، إلى الأهل، بلغت، في العام ٢٠٠٣، أربعةمليارات و٦٧٢ مليون دولار اميركي، وفي العام ٢٠٠٤، خمسة مليارات و٥٩٢ مليون دولار، وفي العام ٢٠٠٥، أربعة مليارات و٩٢٤ مليون دولار. وهي تعتبر أن هذه التحويلات تساهم بنسبة 222, % من الناتج المحلي الإجمالي، بحسب منظمة التعاون والتنمية، التي تؤكد أن لبنان يحتل المرتبة الأولى، في العالم، في كمية التحويلات المالية، بحسب عدد السكان.

ثانياً- بؤس القيادتين النقابية، والسياسية المفترضة، للطبقة العاملة. وهو واقع يزداد تفاقماً، منذ التسعينيات من القرن الماضي، ولا سيما بعد نجاح السلطة الحريرية، بالتعاون الكامل مع سلطة الوصاية السورية، آنذاك، في المزيد من تدجين قيادة الاتحاد العمالي العام، وتنصيب واحدةٍ (بعد إدخال العديد العديد من الاتحادات الوهمية إلى جسم الاتحاد المذكور)، مرتبطةٍ كلياً بمصالح أرباب العمل، ويترأسها منذ العام ٢٠٠١ نقابي أصفر، هو المدعو غسان غصن.

أكثر من ذلك، فلقد تلاقت ظروف عديدة، عالمية ومحلية، ولا سيما بعد انهيار ما كان يوصف بالمعسكر الاشتراكي، وبوجه خاص الاتحاد السوفييتي السابق، لتُحدث المزيد من الترهل في الأوضاع الذاتية لأوساطٍ شتى في اليسار اللبناني، وبخاصة الحزب الشيوعي اللبناني، نحو المزيد من التشرذم، والتفتت، ولكن أيضاً من التراجع في تمثيل مصالح الكادحين، والدفاع عن قضاياهم، بحيث بلغ به الانحطاط، حالياً، حدود الامتناع عن إبداء التضامن الفعلي، مع الحراك الثوري العربي الراهن، ولا سيما في سوريا، مع ما قد يترتب على ذلك من انعكاسات سلبية خطيرة، ليس فقط على العلاقة بحركة الجماهير في البلد المذكور، وعلى مصير ثورتها، بل أيضاً على آفاق التغيير الثوري، في لبنان بالذات.

ثالثاً- توفُّر قدر مقبول، نسبياً، من الحريات، في لبنان.
من الواضح أن مطلباً أساسياً طاغياً، بين تلك التي ترفعها الجماهير العربية، في حراكها الثوري الراهن، إنما هو ذلك المتمثل بالحرية، ودحر الدكتاتورية. هذا مع العلم بأن لبنان يتميز من سائر البلدان العربية الأخرى بوجود قدر مقبول، إلى هذا الحد أوذاك، من الحريات، كما سبق أن اشرنا، في مطلع هذا المقال. هذا مع التنويه، مع ذلك، بوجهة النظر التي يدافع عنها أحد الرؤساء السابقين للحكومة اللبنانية، الدكتور سليم الحص، الذي أوضح مراراً أن «في لبنان الكثير من الحرية، ولكن القليل القليل من الديمقراطية»، ولا سيما في محاضرة ألقاها، قبل عامين تقريباً، بعنوان «تجاربي في الحكم»، أعلن فبها أن الحريات «مصونة بكل أشكالها وتجلياتها: حرية الرأي، والمعتقد، والتعبير، والتحرك، والعمل...»، ولكن «عبثاً نسعى إلى بناء الدولة العادلة والقادرة، وعبثاً نسعى إلى بناء المجتمع الأفضل، خارج إطار الديمقراطية».

ولكن للأسف، فإن الرئيس الحص بقي، في نقده للنظام اللبناني، مقصِّراً جداً عما وصل إليه، قبله، نقدُ رئيسٍ آخر، ولكن للجمهورية، هذه المرة، هو فؤاد شهاب، موجَّهٌ للدولة اللبنانية، عموماً، حين أعلن، في بيان عزوفه عن الترشح إلى الرئاسة الأولى، في أوائل آب/أغسطس، ١٩٧٠- وكان الوضع آنذاك افضل، نسبياً، وبما لا يقاس، مما هي الحال اليوم – أن «المؤسسات السياسية اللبنانية، والأصول التقليدية المتبعة في العمل السياسي، لم تعد في اعتقادي، تشكل أداة صالحة للنهوض بلبنان، وفقاً لما تفرضه السبعينات، في جميع الميادين، وذلك أن مؤسساتنا، التي تجاوزتها الأنظمة الحديثة، في كثير من النواحي، سعياً وراء فعالية الحكم، وقوانيننا الانتخابية التي فرضتها احداث عابرة، ومؤقتة، ونظامنا الاقتصادي الذي يسهِّل سوء تطبيقه قيام الاحتكارات، كل ذلك لا يفسح في المجال للقيام بعمل جدي، على الصعيد الوطني». أكثر من ذلك، إذا كان الرئيس الحص تحدث عن الحاجة إلى الديمقراطية، من دون تحديد، فلقد كان الرئيس الآخر أكثر وضوحاً وجذرية، بالتأكيد،حين تحدث، في بيان العزوف نفسه، عن نظام يتيح سبل العمل (أي انه لم يكن يوافق، مع الحص، على أن النظام اللبناني القائم يضمن حرية العمل، حقاً)، وتكافؤ الفرص للمواطنين، بحيث تتأمن للجميع الإفادة من عطاءات الديمقراطية الاقتصادية والاجتماعية الحق.»

وبالطبع، فإن فؤاد شهاب لم يكن ثورياً، ولم يتطلع، يوماً، إلى الخروج من الانسداد، الذي وجده، صادقاً، في بنية النظام اللبناني، عبر التجاوز الثوري لهذه البنية، حيث أنه – كما اعلن، هو ذاته، في البيان المنوَّه به – لم يكن ليتصور اعتماد التحولات المطلوبة، في واقع النظام،»إلا في إطار الشرعية، والحريات الأساسية»، اي بالضبط»الشرعية والحريات البرجوازية»، بوجه الحصر، وذلك، في الوقت الذي اعتبر فيه أن « البلاد ليست مهيَّأةً، بعدُ، ولا معدةً، لتقبُّل» تلك التحولات!

بَيْد أنه رأى، منذ ذلك الحين، أي منذ كثر من ٤٠ عاماً، أن الدولة القائمة ميؤوس منها. وهو ما سيكون على الثوريين، في وقوفهم إزاء الاستعصاء القائم،على هذا الصعيد، ولكن كذلك إزاء عدم التحاق الجماهير اللبنانية، إلى الآن، بالعملية الثورية، المندفعة في المنطقة، وحتى بمحاذاة بلدهم، أن يوضحوا كل ذلك لتلك الجماهير، ليس فقط على المستوى النظري البحت، بل بالممارسة الثورية، وفي الوقت عينه، عبر بلورة البرنامج الثوري المناسب. أي بالضبط، كل ذلك الذي سبق أن فشلت الحركة الوطنية اللبنانية، في الارتقاء إليه، في النصف الثاني من سبعينيات القرن الماضي، وفي إنتاجه، والدفاع عنه، بالبسالة والشجاعة المطلوبتين، ممن يتطلعون إلى تغيير الدولة والمجتمع. وهو التغيير الذي لن يتم، بالتأكيد، عبر الترقيع والإصلاحات، بل بالضبط، كما تتعلم الجماهير العربية، اليومَ، ان تفعل، أي عبر شيء يمكن أن نطلق عليه بحقٍّ تسمية «الثورة الدائمة».