الانسحاب الامريكي من العراق واستمرار لعبة الزومبي!

العدد الاول - كانون ثاني ٢٠١٢
الدولة: 
العراق
تاريخ النشر: 
كانون الثاني (يناير), 2012

لدى استقبال الرئيس الامريكي لبعض من جنوده العائدين من العراق، قال اوباما، في احتفال رمزي بصدد انسحاب القوات الامريكية في ١٥ ديسمبر ٢٠١١، بأن القوات الامريكية تغادر العراق وهي مرفوعة الرأس، ولكن نسي ان يكمل ايضاً بأن قواته تترك بلداً مقطوع الرأس! مثقلاً بآثار احتلال وحرب مدمِّرَيْن، لم ينتهيا بالنسبة لأغلبية قاطنيه، وشبح الحرب والاقتتال الطائفي والمذهبي والقومي البغيض يصول ويجول فيه.

عاش بلد «الف ليلة وليلة» في ظل احتلال دام حوالى ثلاثة آلاف ليلة، رواياته عذاب ودمار وخراب ورعب، وقصصه من دون ابطال! أما «العملية السياسية» التي بدأها المحتل، إثر السقوط الدراماتيكي لنظام البعث المجرم، فقد تحولت الى «جرة باندورا» وخرجت منها كل الشرور! حيث ايقظت الاموات من قبورها، لتتحرك مثل الزومبي(الاموات الاحياء) تنهش كل شيء حي، وبفضله اصبح العراق ساحة لصراع الزومبيين، امثال زومبي المالكي، وحارث الضاري، وزومبي الهاشمي والمطلك وغيرهم. وبدأت امريكا تلعب لعبتها الثانية (حيث انتهت اللعبة الاولى، بحسب قول محمد الدوري، مندوب العراق الدائم في الامم المتحدة)، وتضع قواعدها، وبمعونتها دمرت العراق بشكل شبه شامل (في رحلة بحثها المزعوم عن اسلحة الدمار الشامل).

ان البلد الذي دخل بقوة، في قلب الحضارة البشرية القديمة، اخرجوه بكل قسوة وصرامة ومهانة لانظير لها من سُلَّم الحضارة البشرية المعاصرة. وهو اليوم دولة حبلى بالازمات والحرب والكوارث، مصيره على كف الريح، ومفتوح بوجه كل الاحتمالات. تتقاذفه صراعات داخلية عميقة، وتدخلات اقليمية فظة، ونزاعات دولية قارية.

هذا ويمكن ان نصف الحرب والاحتلال في العراق، بأنهما أسوأ كارثة حلت ببلد ما، حيث اصبح البلد بلا دولة، ودويلاته في صراع على المال والنفط والغاز الطبيعي، وتشن الحروب بعضها مع بعض، لمصلحة الشركات النفطية والغازية الكبرى الدولية. وهي حروب بالوكالة، فيما لا يزال البلد يرزح تحت طائلة البند السابع وتداعياته، وصندوق مايسمى باعادة اعمار (او لنقرأ: نهب) العراق والتعويضات المستحقة عليه، وتراجعت قدرته الاقتصادية الى عهد المانيفاكتورة، ومعامله المتطورة خراب في خراب. وتعاني من سياسات الخصخصة والنهب والتمويل الذاتي (اقرأ: التدمير الذاتي) السيِّء الصيت. والصناعة الوحيدة فيه هي صناعة النفط والغاز الطبيعي حيث على البلد - بحسب التقسيم الدولي للعمل الرأسمالي المعاصر- ان يزود العالم الرأسمالي المتطور بالطاقة السوداء، وعليه ان يبقى كبقرة حلوب للشركات الكبرى، في مجال الطاقة العالمية. وفي هذا المجال تحديداً، فإن الصراع على اشده بين الامارات النفطية، التي يتربع على عرشها الزومبيون، الحائزون على المال والثروة والعائدات النفطية، التي كرست الاستبداد العسكري والبعثي على مر عقود.

بالاضافة الى كل ذلك فان البلد يشهد مستويات غير مسبوقة من البطالة، وعدد الارامل والايتام، وارقام قياسية في مجال الفساد المستشري، ناهيك عن انعدام ابسط الخدمات الاجتماعية، مثل الماء النقي والكهرباء والخدمات الاجتماعية والخ.

الا ان اسوأ مايعانيه العراق هو تربع الزومبيين على مقاليد السلطة (امثال المالكي والهاشمي والمطلك وغيرهم)، حيث ان السمكة خايسة(أي فاسدة) من رأسها، كما يقول المثل العراقي. فهم في كل مكان، متربعون على العرش، في صراع دائم مع الشعب العراقي لنهشه والتنكيل به. اما العائلة الزومبية فإنها منقسمة على بعضها، والفساد ينخر اجسادها الهشة، وتشتد وتتفاقم صراعاتها على الميراث المتروك لها، عقب الانسحاب الامريكي، حيث يشهد البلد احدث واخطر فصل درامي -وهزلي في نفس الوقت- من فصول الصراعات السياسية بين كتله المتصارعة، المتربعة على السلطة . فلا يوجد في البلد معارضة سياسية، حيث ان الكل اتفقوا في اطار «العملية السياسية» المزعومة على شراكة طائفية وقومية ومذهبية، بعضهم مع بعض، وعقب جلاء القوات الامريكية، بدأ المالكي (الزومبي الاكبر والاقوى) باستغلال الفراغ الامني والسياسي المهيمن، ويطالب بازالة الشيوع واخراج الشركاء الآخرين، وهاهو يهتف (شأنه شأن الحجاج بن يوسف الثقفي)، في قضية الهاشمي، الهارب إلى كردستان العراق، بأن هناك رؤوساً قد اينعت وحان قطافها!، ناسياً أن رأسه اضحى من اينع الرؤوس، وحان الوقت للشعب العراقي ان يقطفه!.

اما بقية الشركاء-الاعداء فيستنجدون بربهم الراحل فيلومونه (رسالة الزومبيين الثلاثة إياد العلاوي، ورافع العيساوي، وزير المال، وأسامه النجيفي، رئيس البرلمان العراقي، للرئيس اوباما التي نشرتها صحيفة نيويورك تايمز في الآونة الاخيرة) لأنه رحل وتركهم من دون وصية، او قبل ان يقسم التركة بينهم، حيث ان الاخ الاكبر بدأ يسيل لعابه وينوي بلع غالبية الحصص وحرمانهم من الميراث، اما الاخ غير الشقيق (الكورد) فانه يتمسك بحصته من الميراث، على رغم تصاعد الدعوات هنا وهناك لحرمانه منه. ويرفع القسّام النظامي او القانوني الذي حدد حصة كل شريك بوجه الورثة الآخرين. ووسط تزاحم الصراع، يتدخل الجار الخليجي والاخوال والأعمام، الايرانيون والتُّرك، حيث تربطهم بأطراف الصراع رابطة دم طائفية او قومية، لترجيح كفة طرف علىكفة الآخر، طمعاً في التركة بالطبع، واحراز نصيب جيد منها..

اليوم يسعى الاطراف المشاركون في العملية السياسية إلى التوصل الى شراكة جديدة (حيث قال الهاشمي بالحرف الواحد ان «المالكي هو شريك لي»!). وفي حالة فشل العائلة السياسية الفاسدة في اعادة تقسيم الحصص، بحسب ميزان القوى الجديد بين اطرافها، فإن خيار التقسيم (وفق قاعدة ان الشريك غير مجبر على البقاء في الشيوع!) مطروح للنقاش فيما بينها، وتواجه كلَّ طرف المشكلةُ العويصةُ، اي العاصمة بغداد، حيث بصفتها المال الشائع الاكبر في ما بينها لاتقبل التقسيم، ولايمكن بيعها بالمزاد العلني!

والسؤال الاساسي هو الى متى معاناة الشعب العراقي وبخاصة العمال والكادحين منهم، ومن يفتح باب الطلسم؟

لاشك بأن مانعيشه من المحن هو من تداعيات الحرب والاحتلال، ونتيجة منطقية لـ «العملية السياسية» التي انبنت على الطائفية والمحاصصة القومية والمذهبية، وهي من جهة اخرى نابعة من الطبيعة الطبقية البرجوازية لأطراف العملية السياسية الراهنة..

صحيح ان امريكا أكملت انسحاب قواتها العسكرية من العراق، ولكنها لازالت تملك مفاتيح السيطرة على الملف العراقي، من خلال سفارتها الاخطبوطية، وشبكة السي آي أي، ومن خلال وضعها لقواعد عمل ولعبة الزومبيين في العراق.

ان من يريد تحويل هذا المسار عليه ان يبدأ من النقطة التي انتهى فيها نضال الشعب العراقي، وتم إجهاضه عندها- بسبب الحرب والاحتلال الامريكي المباشر-، ونقصد نضاله ضد الدكتاتورية والاستبداد، في البلد، منذ سنة ٢٠٠٣. ولأجل ذلك، علينا مواصلة النضال من النقطة التي توقف فيها عندها.

إن تجربة السنوات الثماني العجاف اثبتت بجلاء أن التغيير الحقيقي، في العراق، لايأتي من خلال العمل على إصلاح ما يسمى بـ «العملية السياسية»، بل من نقيضها. على البلد ان يتخلص من الاحتلال وتبعاته، ويخرج من طائلة البند السابع، ويطالب المحتلين بالاعتذار والتعويض العادل.

هذا ولا يمكن مواصلة المسيرة من دون المطالبة الكاملة بتحمل امريكا مسؤولية جرائمها، التي ارتكبتها بحق الشعب العراقي. ففي الوقت الذي ارغمت فيه العراق على دفع مئات المليارات من الدولارات للكويت، عليها ان لاتفلت من المسؤولية والعقاب، وتخرج من البلد مثل خروج الشعرة من العجينة. على العراقيين وعلى كل حكومة عراقية وطنية السعي الى ان يدفع هؤلاء ثمن جرائمهم التي ارتكبوها بحق الشعب العراقي، والمئات من مليارات الدولارات التي نهبوها، في اطار ماسمي زيفاً وبطلاناً بصندوق اعادة اعمار العراق، وعقودهم الوهمية. ان القوى الطائفية والمذهبية والعرقية المهيمنة ليست اهلاً لذلك، بل انها من مخلفات الاحتلال، ولازالت متمسكة بذيله وتطالبه بالتدخل، لفض نزاعاتها، التي تعود في كل مرة الى مربع الصفر.

ينبغي، تحديداً، ازالة الاوهام المتعلقة بطبيعة الدور الذي تمارسه القوى الطائفية والمذهبية والقومية، المهيمنة في العراق، فلا يمكن توقع غير ذلك من قوى برجوازية طفيلية زومبية، في الوقت الذي تمت فبه خصخصة العراق، وباعه المحتل بالمزاد العلني. فمن الطبيعي رؤية هرولة هؤلاء، لنهب الدولة واموالها وتخصيصها، وقيدها كأملاكهم الشخصية، وتهريب رؤس اموالها الى الخارج، وما الى ذلك. ان طبيعتها الطبقية تحتم عليها الاستيلاء على الثروة والنهب وغصب الملكية الخاصة واحتكارها والاستثار بها، ونزعها من العمال والمنتجين، ومن الفلاحين وسائر الطبقات الكادحة الاخرى.

لايمكن ترسيم واعاة بناء العراق، بشكل طائفي ومذهبي او قومي، حيث ان ذلك ضرب من المستحيل، ونتائجه كارثية ومأساوية. وليس امام الشعب العراقي الا خياران: خيار الاستمرار صوب المجهول، وفتح البلد بوجه كل الاحتمالات، بما فيه الحرب الأهلية، واستمرار الازمة، وترك البلد يغوص في قاع الهمجية والدكتاتورية، او الخيار الديمقراطي الحقيقي الحر، أي ان يختار الشعب العراقي، ويحدد بكل حرية، في فترة انتقالية مناسبة، وفي اجواء وفرص متكافئة، حكومة اتحادية ديمقراطية ثورية، وحكومات محلية شعبية، يُفترض أن تستند الى الارادة الحرة المباشرة للناخبين العراقيين، وتتبنى بشكل اساسي برنامجاً اقتصادياً شاملاً، لتحسين حياة العمال والكادحين والمهمشين، بغية تحقيق العدالة الاجتماعية، والرفاهية، وبرامج اجتماعية وثقافية تقدمية معاصرة، للنهوض بالبلد من الناحية الحضارية الإنسانية.

ان الشعب العراقي ادرك بتجربته الخاصة أن القوى الطائفية والمذهبية المهيمنة على الساحة السياسية، في العراق، مازالت تتمسك بقوة بالخيار الأول، اما القوى اليسارية والشيوعية والتقدمية فعليها المضي قدماً في الدرب الثاني، وهي بأمس الحاجة الى توفير المستلزمات والمتطلبات الضرورية، لتحقيق ذلك.

ان المرحلة القادمة حبلى بالكثير من المهمات الخطيرة، التي تواجه الحركة اليسارية والشيوعية الجديدة، وهي امتحان صعب لوجودها وأدائها. واذا تمكنت من تجاوزالمحن والتحديات، التي تعترضها، فإنها ستدخل التأريخ العراقي المعاصر، من أوسع ابوابه، وأكثرها تطابقاً مع مصالح الشعب العراقي، وتطلعاته إلى مستقبل مشرق..