الثورة الدائمة هو اسم هذه الجريدة

العدد الاول - كانون ثاني ٢٠١٢
تاريخ النشر: 
كانون الثاني (يناير), 2012

لم تكن هي المرة الأولى، التي نشعر فيها كم إن منطقتنا بحاجة لجريدة تنطق باسم الماركسيين الثوريين، في كامل الوطن العربي، والمغرب الكبير. فقبل أكثر من 40 عاماً، جاءت «المناضل» لتضطلع بهذا الدور، في وقت كان هؤلاء لا يزيدون على عدد أصابع اليدين، إلا قليلاً، ولا يتواجدون في أكثر من بلد، او ربما بلدين. وكانت «المناضل» تحدد لنفسها، آنذاك، أهدافاً أساسية، في مقدمتها تسهيل بناء الحزب الشيوعي الثوري لعامة المنطقة، والتعريف الواسع بالفكر الذي يلهمه ويوجه خطاه، وبالبرنامج الذي يُفترض أن يتحلق حوله مناصروه وأعضاؤه، ويعملوا على وضع بنوده في الممارسة. وحين توقفت «المناضل»، في العام 1978، كانت الماركسية الثورية قد خطت خطوات جدية، وإن بطيئة، إلى الأمام، وانتشرت في العديد من بلداننا، ولو عبر أنوية صغيرة أفلحت في إبراز خطابٍ آخر، نقديٍّ بامتياز، ورؤيا مختلفةٍ تدعو إلى التغيير الثوري، في مواجهة دعوات الإصلاح، من ضمن النظام البرجوازي الرث القائم، وذلك بإزاء هيمنة الشيوعيين التقليديين، فكراً، وبرنامجاً، وممارسةً، في الساحة اليسارية، هنا وهناك.

ثم جاءت، بعد ذلك «المطرقة»، التي بقيت تصدر بصفتها لسان حال ثوريي المنطقة، منذ النصف الثاني من الثمانينيات، وحتى العام 1994، حين صدر آخر أعدادها، وكان العاشر، تحديداً.

ومنذ ذلك الحين،الذي شهد الانهيارات الكبرى، في ما كان يوصف، تجاوزاً، بالمعسكر الاشتراكي، وارتداداتها السلبية الخطيرة، أيّاً يكن، على موازين القوى الطبقية، لصالح الهيمنة شبه المطلقة للإمبريالية الأميركية، بوجه أخص، والعالمية، عموماً، وللسيطرة المجنونة والمتوحشة، لرأس المال، والليبرالية الجديدة، قبل أن يبلغ هذا الواقع مداه الأقصى، وتشرع شمسه بالأفول؛ منذ ذلك الحين، نقول، بقيت الساحة فارغةً، تقريباً، من أداة كهذه، وبقينا نشعر بافتقادها الشديد، وندعو لبذل جهود حقيقية لسد هكذا فراغ.

وإذ نركِّز على هذا الأمر، نثمِّن عالياً جداً أن تكون انضمَّت، في الجهد لإصدار هذه الجريدة، إلى الجهتين، في تونس ولبنان، اللتين لعبتا دوراً أساسياً في إصدار آخر جريدة عربية ثورية، منظمتان ثوريتان جديدتان، نسبياً، هما «الاشتراكيون الثوريون»، في مصر، - وتيار المناضل- ة، في المغرب. مع التنويه أيضاً، وبحرارة، بواقع أن المجموعة الماركسية الثورية، في لبنان، التي كانت تنشط باسم «التجمع الشيوعي الثوري»، منذ أوائل سبعينيات القرن الماضي، والتي سبق أن قدمت إسهاماً أساسياً في تلك العملية، اغتنت، في غضون هكذا سيرورة، بتجربة الاندماج التي تعيشها، حالياً، في إطار ما بات يُسمّى «المنتدى الاشتراكي»، مع مجموعةٍ ماركسية ثورية أخرى نشطت، في السنوات الماضية، تحت اسم «التجمع اليساري من أجل التغيير».

هذا وإن ما يُكسب مبادرتنا لإصدار الجريدة الجديدة أهميةً إضافية، إنما هو حصول ذلك، في عز انتشار الحريق الثوري، في المنطقة العربية، مع ما يتطلبه ذلك من إسهام، مهما يكن متواضعاً، على الصعيدين، الدعاوي والتحريضي، في آنٍ، في إنجاح سيرورةٍ لا يتوقف على نضجها وصمودها وانتصارها، تغييرُ العالم العربي والمغاربي، بكل مكوناته، وحسب، بل ربما، أيضاً، تغيير العالم، بأسره.

أما لماذا أطلقنا عليها اسم «الثورة الدائمة»، فلأننا نعتقد بعمقٍ أن ما يحصل اليوم، أمام أعيننا، إنما هو سيرورة ثورية متمادية، سيكون عليها، في الأشهر والسنوات القليلة القادمة، أن تضطلع بعملية مركَّبةٍ تدمج، في الوقت عينه، المهامَّ الديمقراطية - ومن ضمنها الفصل التام للدين عن الدولة، وإحلال العلمانية الشاملة، في كل مفاصل الحياة الاجتماعية، والسياسية - والمهام الوطنية، بالمهام الاقتصادية- الاجتماعية. فالجماهير الشعبية الواسعة، التي قدمت، وتقدم، اليوم، أعظم التضحيات، بما فيها حياتها، لأجل الظفر بالحريات الديمقراطية، وإطاحة أنظمة الاستبداد والفساد والتبعية والقهر، لا بد من أن تواصل ثورتها، لأجل الظفر، أيضاً، بالحياة الكريمة، وبالسيطرة المُحْكََمَة على وسائل إنتاج هذه الحياة، وطريقة إنتاجها، بعيداً من أي ارتهانٍ، أو استلاب.

بمعنى آخر، فإن تسمية جريدة ثورية – في حقبةٍ تطلق من عقالها كلَّ أسباب الأمل بتحرر مئات الملايين من الناس، على بقعةٍ تتجاوز الثلاثة عشر مليوناً من الكيلومترات المربعة، وتمتلك، عدا الطاقات البشرية الخلاقة، التي تُعبِّر عن نفسها، اليوم، في شوارع المدن العربية، وميادينها، أعظمَ الثروات الطبيعية – هذه التسمية لا بد من أن تتماهى، ليس فقط مع برنامج حقبةٍ كهذه، وما يتضمنه من اهداف، بل أيضاً مع آلية وضع ذلك البرنامج موضع التنفيذ.

هذا وإن هكذا برنامجاً لَيستعيد، تحديداً، ما سبق أن حلمت به جماهير عصرٍ ذهبيٍّ، وهي تصغي إلى ثلاثية الحرية والوحدة والاشتراكية، تلك الشعارات الرائعة، التي لن يُقيَّض لهاالانتقال إلى أرض الواقع، في ظروف منطقتنا، إلا عبر ثورة دائمة، والتي لم ينتظر من أطلقوها، في زمنٍ سابقٍ، لكي يخونوها، انبلاج الفجر!

لأجل ذلك، فإننا نعيد التأكيد بأن اسم جريدتنا لا بُدَّ من أن ينسجم، تماماً، مع آليَّة تنفيذ ذلك البرنامج، وسيكون، بالتالي، وبالضبط، «الثورة الدائمة».