الحراك من اجل اسقاط النظام الطائفي ورموزه: دروس واستنتاجات

العدد الاول - كانون ثاني ٢٠١٢
الدولة: 
لبنان
الملف: 
المسألة الطائفية والعلمانية الثورية
تاريخ النشر: 
كانون الثاني (يناير), 2012

في ٢٧ شباط ٢٠١١، الماضي، انطلقت مسيرة تضم حوالى ٣ آلاف شخص، بدأت من كنيسة مار مخايل (الشياح) وصولاً حتى قصر العدل في منطقة المتحف. لم تكن المرة الاولى الذي يخرج بها ناشطون/ات لبنانيون/ات، في مظاهرة مناهضة للنظام الطائفي، ولكن تلك المسيرة لم تكن بتاتاً كالمسيرات التي سبقتها في الاعوام الاخيرة، بل كانت تمثّل حالة جديدة أخذت بالامتداد في الشارع اللبناني.

فبينما المسيرات المعتادة المناهضة للطائفية، كانت بشكل اساسي تطالب ببعض الاصلاحات في مسألة التمثيل السياسي (اعتماد النسبية والغاء القيد الطائفي)، وفي القوانين الاجتماعية (كإقرار الزواج المدني الاختياري وغيره من الأمور)، قامت مظاهرة ٢٧ شباط برفع شعار آخر، اكثر تقدماً. كان يمثّل الحالة الثورية التي أخذت بالامتداد حينها (ولا تزال)، في المنطقة العربية، وكان يمثّل تقدماّ جذرياً في طرح المسألة الطائفية، فرفع حينها شعار «الشعب يريد اسقاط النظام الطائفي».

هذا التحوّل في الخطاب لم يأتِ، من خلال الجلسات المطوّلة، التي كانت تعقدها القوى والمجموعات اليسارية والعلمانية، والتي منذ نيسان ٢٠١٠ (مظاهرة العلمانية)، كانت تجتمع بشكل دوري، تحت اسم «اللقاء العلماني»، بل أتت من مكان آخر، أتت من الشارع، من أفراد تلاقوا في ما بينهم على مواقع التواصل الاجتماعي، وارتأوا ان ما نحتاجه جميعاً في لبنان هو إسقاط النظام الطائفي، بعيداً عن نقاش ما اذا كان هذا الشعار صائباً أم لا. إلا ان ظهور هذا الشعار هو دلالة على تحوّل اساسي في وعي شريحة واسعة من الشباب اللبناني، على اثر الثورات العربية، من جهة، ومن جهة اخرى، كردة فعل على الواقع الطائفي المعاش، وخاصة بعدما تبيّن مدى تخلّف الواقع السياسي، الذي نعيشه في لبنان، وخاصة مع هيمنة أوسع للاستقطاب الطائفي، في ظل معادلة ٨ و١٤ آذار/مارس.

قد يحاول البعض أن ينفي هذا التحوّل بالذات، أو أن ينفي أهميته في صعود حراك إسقاط النظام الطائفي، كما فعل بعض قياديي تيار المجتمع المدني، والحزب الشيوعي، معتبرين أن أساس الحراك هو «اللقاء العلماني»، ولكن واقع الأمر هو أنه لو لم يكن لهؤلاء الشبان والشابات، الذي اندفعوا في الاجتماعات الأولى، منادين بالتحرّك السريع على الأرض، وبرفع هكذا شعار، لما شهدنا ما ُيعتبر بسهولة من أهمّ التحركات، المناهضة للنظام الطائفي، التي حصلت في لبنان، منذ نهاية الحرب الأهلية.

أكثر من ذلك، وبالرغم من تراجع المظاهرات المطالبة بإسقاط النظام الطائفي، فإن الأثر الذي تركته تلك الحركة على الشارع، عموما،ً وعلى مروحة واسعة من الشباب اللبناني، خصوصاً، ليس بمسألة هامشية، بل إنه ساهم بشكل أساسي، في بناء قناعات سياسية جديدة، وساهم في بناء وعي أكثر تطوّراً لواقع النظام، الذي نعيش يومياً تحته، في واقعه الاجتماعي والسياسي والاقتصادي، وأنتج أيضاً مساراً تربوياً لكثير من الناشطين والناشطات الجدد، الذين واللواتي اكتسبوا، من خلاله، الخبرة في العمل الشعبي والسياسي والتنظيمي والإعلامي وغيره.

ولكن هذه الحركة، وضعت الأطراف السياسية، أيضاً، أمام معضلة التعامل مع اندفاعٍ جماهيريٍّ، شهده الجميع، مع ازدياد أعداد المشاركين في التظاهرات. وهذا بالظبط ما فشلت به كثير من القوى السياسية المنخرطة في الحراك، فبدلاً من أن تقرر هذه القوى، خلال هذا الاندفاع، دفعه الى الأمام، اختارت تقويضه وتحجيمه، ليتناسب مع أجنداتها الفئوية. وهذه هي المسألة الأساسية، التي أدت الى الانقسام، لاحقاً، وإلى تفتت الجسم التنظيمي، الذي يُفترض أن ينبثق منه.

قد يسعى البعض، وخاصة الشيوعيين التقليديين، إلى تصوير الانقسام داخل الحراك، كنتيجة لتصرّف بعض الافراد، او لعدم التناغم العملي في ما بين الناشطين والناشطات، فيعدد عطالله السليم، مثلاً، في مدونته عن اسباب فشل حراك إسقاط النظام الطائفي، ما يلي:

«الشعار الخاطئ»؛ «ظهور فئة من الشباب المتحمس لم نحسن التعامل معها، وبالغت في إظهار مراهقتها السياسية»؛ «الانتهازيون الكثر»، أو « ظاهرة وائل غنيم»؛ مرحلة ما بعد ٢٠ آذار: عندما « فرَّخت» الحملة طموحات شخصية أخذت ظاهرياً شكل تيارات ضمن الحراك».

ولكن واقع الأمر أن الفرز كانت تحكمه السياسة من اليوم الأول للاجتماعات، وأنه كان منذ الساعات الأولى نواة طروحات سياسية واستراتيجية مختلفة، وأن نسيج حراك إسقاط النظام الطائفي لم يكن يوماً متجانساً سياسياً، بل يحمل تناقضات كبيرة، وهذا طبيعي، والطبيعي أيضاً هو أن يتحوّل هذا الحراك إلى أشكال أخرى متمثلةٍ، اليوم، بتيارات مختلفة، عندما لا يستطيع الجسم التنظيمي أن يحتمل هذه التناقضات، ويكون بحاجة لأن يُستبدل بأشكال أخرى.

1) النسيج السياسي لحراك إسقاط النظام الطائفي ورموزه
مع ازدياد أعداد الناس المشاركة، في المظاهرات المركزية الثلاث الأولى (في ٢٧ شباط/فبراير، و٦ آذار/مارس، و٢٠ آذار/مارس)، كانت تزداد الأسئلة السياسية والاستراتيجية والتكتيكية، على الناشطين/ات والكوادر، الذين كانوا يعملون لتنظيم تلك التحركات. وهذا أمر طبيعي، في واقع نشوء أي حراك سياسي شعبي. إن هذه الأسئلة تمثّل العوائق اليومية المباشرة، التي على الحركة أن تجيب عنها لتتخطاها، وحتى تستطيع الاستمرار بالتقدم إلى الأمام، ولا سيما على المستويين، السياسي والتنظيمي.

ففي المسيرة الأولى، في ٢٧ شباط/فبراير، التي انطلقت من كنيسة مار مخايل، مروراً بطريق صيدا القديمة، حتى قصر العدل، كانت لا تزال الدعوة في أبسط أشكالها، نداءً من مواطنين ومواطنات، من أجل إسقاط النظام الطائفي، ومن أجل التغيير، فيما هم يعددون المشاكل، التي نواجهها جميعاً، في واقعنا اليومي.

في المسيرة الثانية، التي انطلقت من الدورة الى شركة الكهرباء، كان النداء أكثر تطوّراً، فرأينا الملامح الاولى للمطالب السياسية العامة. كان البيان عبارة عن مبادئ عامة تنادي بها الحركة: الديمقراطية والعلمانية والمساواة والعدالة الاجتماعية، كما المحاسبة، وغير ذلك. وكان هذا النداء التعبير الأول عن ماهية القيم السياسية والاجتماعية والاقتصادية، التي أخذت الحركة الناشئةُ على نفسها تحقيقَها.

من تلك اللحظة، انتهت العفوية السياسية، في تحريك الشارع، ونقلت الحركة نفسها من خطاب تعبوي فضفاض (كان ضرورياً في التحرّك الأول) إلى خطاب يعتمد أُسساً قيمية للتغيير، مثلما رفع التونسيون المنتفضون، مثلاً، شعار «شغل، حرية، كرامة وطنية»، والمصريون شعار «عيش، حرية، عدالة اجتماعية»، وكذلك الثورة الفرنسية، شعارها «الحرية، والإخاء، والمساواة»، والثورة الروسية شعار «الأرض والسلم». أما في نداء المظاهرة الثالثة، وكانت الأكبر، من ساحة ساسين، في الأشرفية، إلى وزارة الداخلية، وذلك في ٢٠ آذار/مارس ٢٠١١، فتم تحميل المسؤولية عن الواقع اللبناني للمسؤولين السياسيين، الطائفيين، ورموز هذا النظام.

هذه الشعارات لم يكن هدفها أن تكون مرتبطة باقتراح قانون معيّن، أو بتعديل أو إصلاح معيّن، حيث أن ذلك يأتي في مراحل متقدمة، بل كان دورها الأساسي يتمثل في تحفيز حركة سياسية، ضمن الجماهير، ترتكز على أسس مفاهيمية جديدة، مختلفة عن المفاهيم المهيمنة، التي تبثها السلطة الحاكمة، يومياً. هي محاولة لإعادة تعريف هذه المفاهيم، من وجهة نظر الناس والشعب، عموماً، وليس مما نسمعه من هرطقات يومية للسياسيين حول هذه المفاهيم نفسها. هي أولاً محاولة فتح باب النقاش الشعبي الواسع، حول كيف نريد لديمقراطيتنا أن تكون، وكيف نريد أن تكون العدالة الاجتماعية، والمساواة، والعلمانية.

هي المدخل المباشر، في عملية بناء علاقة عضوية بين الحراك، كجسم تنظيمي، إلى هذا الحد أو ذاك، والشارع، ولا يمكن لعلاقة عضوية أن تنتج من خارج الخطاب السياسي المباشر، والمبادئ التي تنطلق الحركة بها، لتتكلّم مع الشارع.

هذا التطور السياسي للحركة، في خطواتها الثلاث، الأولى والأكبر، لم يأتِ نتيجة إيمان كلِّ من كان في الحراك بهذه الشعارات، بل كان نتيجة صراع سياسي يومي مع طروحات سياسية مختلفة، ومروحة من الاتجاهات الاستراتيجية، وكان ميزان القوى السياسية، في فترة المظاهرات الثلاث الأولى، مختلفاً عن التوازن السياسي، بعد تحرك الـ٢٠ من آذار/مارس، الذي مثّل الذروة في أعداد المشاركين (لا أقل من ٢٠ ألف متظاهر)، والذي تعرَّض لمحاولة قوى النظام، من خلال أزلامها وأحزابها، «العلمانية المزعومة»، ضربَ هذه الحركة وإفشالها.
وميزان القوى السياسية هذا كان يتضمن، بشكل أساسي، أقطاباً ثلاثة، أحدها شعبوي، والثاني إصلاحي، والثالث ثوري.

استطاع الخطاب الثوري أن يكون الواجهة الأساسية للحركة، في فترة التحركات الثلاثة الأولى، ومن بعد ذلك، تم فرض هيمنة التيار الإصلاحي على الحراك، وإن تطلب ذلك من التيارات الإصلاحية تدمير الحراك، في محاولاتها لتثبيت سيطرتها على القرار، ما أدى إلى انقسام الجسم التنظيمي إلى مجموعتين، أو أكثر، اليوم.

2) الطرح الشعبوي:
وقد ظهر الطرح الشعبوي، في فترات مختلفة، من الحراك، وبأشكال مختلفة، ومن خلال أطراف وفئات مختلفة، ولكنه في مجمل مراحله وحالاته، لم يستطع الصمود، سياسياً، واندثر مع استمرار الحركة، وفشل هذا الخطاب في استقطاب قاعدة سياسية له.

أ- بوادر ظهور الطرح الشعبوي وآثاره
أما أول بوادر ظهور هذا القطب فكان مع ما طرحه «دياب أبو جهجه» من أن على الحركة أن تُسقط أولاً النظام الطائفي، ومن ثم نأتي إلى نقاش كيف نريد النظام الجديد، وندعو الشعب حينئذ ليقرر من خلال استفتاء، أو ما شابه من طروحات.

وقد حاول «أبو جهجه»، جاهداً، وأكثر من مرة، بثَّ فرز شعبوي بائس، في ما بين الناشطين والناشطات، داخل الحراك، في مساعيه الكثيرة لتمرير الفكرة القائلة إن هناك من هو فقير ومعتّر، ويريد إسقاط النظام الطائفي، بينما هناك بعض المدللين، الذين يريدون الزواج المدني. وانطلق بهذا الخطاب ليحاول ضرب جزء كبير من المكتسبات السياسية، وليس القانونية، التي كانت تناضل لأجلها الحركات الاجتماعية والمدنية واليسارية، في السنوات الأخيرة، وخاصة مسألة التمييز الجنسي، ورهاب المثلية، والحقوق المدنية والحريات الشخصية، وحتى التجارب النقابية.

فلم يَعْنِ له شيئاً أن يموت عمال وعاملات، في صراع نقابي، يُواجَهُ بأشرس الأسلحة الطائفية، وبسلاح السلطة كما حصل في أيار/مايو ٢٠٠٧، وكما كان حصل، تكراراً، في النضالات العمالية، والفلاحية، في الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي.

ولم تكن تعنيه المظاهرات، المطالبة بحق الجنسية للمرأة اللبنانية، والحماية من العنف الأسري، وكذلك مظاهرات المطالبة بالعلمانية، وبالزواج المدني، وضد العنصرية، فضلاً عن المطالبة بالحقوق المدنية للاجئين الفلسطينين، وعن حملات التضامن، وما إلى ذلك من تحركاتٍ مدنيةٍ، واجتماعية.

ففي نداءاته، من صفحته الالكترونية، كان يسعى تيار أبو جهجه، دائماً، إلى تبيان أن الثائر الحقيقي ليس من يطالب بالحقوق الاجتماعية، بل هم المعترون والفقراء، الذين بحسب نظرته، لا همَّ لديهم سوى الطعام، في حين كل مطلب خاص بالمساواة، والديمقراطية، والعلمانية، هو ترف برجوازي. ومن الطبيعي أن تقتصر مطالبه حينها على مطالب تختصر مسألة أزمة النظام بتخفيض أسعار بعض المواد، وبتقديم السلطة بعض الهبات الاجتماعية، من دون أن يطرح مسألة السلطة، بحد ذاتها، وطبيعة النظام السياسي والاجتماعي والطبقي. فقط تنتهي الأزمة، عندما يتم خفض سعر رغيف الخبز!

وهذه الحجة، ومنطق الفرز الشعبوي هذا، أخذا حيِّزاً كبيراً، وأثَّّرا في الكثير من الناشطين والناشطات في الحراك، وبخاصة ضمن اليسار، عموماً، والشيوعيين التقليديين، خصوصاً، حيث بدأ كثيرون بالفصل بين المطالب السياسية والاقتصادية، وهو ما أنتج، في اسابيع قليلة، نهجاً اقتصادوياً يعتمد، بشكل أساسي، على تصوير أزمة النظام على أنها، فقط، أزمة «معيشية»، وليست حتى اقتصادية. وهو ما كان يعبر، في الواقع، عن وجود مشاكل عدة.

المشكلة الاولى، في هذا التوجّه، أنه، أولاً، غير واقعي بتاتاً، ويدلّ على قراءة بائسة لتكوين أي نظام سياسي واقتصادي واجتماعي. وهو أيضاً يضرب عرض الحائط بجميع التجارب النقابية والمدنية السياسية والاجتماعية السابقة، أي أنه ينقلب على فعل التراكم السياسي، الذي أنتجته الحركات الاحتجاجية، في لبنان، على مدى عقود من الزمن. وهو في النتيجة يسهّل الأمر على السلطة الحاكمة، في ضرب هذه الحركة، من أساسها.

فمن خلال قراءة بسيطة جداً للنظام اللبناني، نستطيع أن نلاحظ أن السياسات الاقتصادية، التي يتبعها هذا النظام، تترافق دائماً مع سياسات اجتماعية ومفاهيمية تبرر، من جهة، السياسة الاقتصادية المعتمدة، ومن جهة أخرى، تضرب قدرة الفئات الاجتماعية، والاقتصادية، على مناهضة هذه السياسات نفسها.

والمثل الأوضح هنا هو واقع النقابات العمالية، في لبنان، التي تتفشى فيها الطائفية، وهي في معظمها نقابات صفراء تابعة للأحزاب الطائفية المهيمنة، وتضم عدداً ضئيلاً من العمال والعاملات، في لبنان(٧٪ من الأجراء).

والمشكلة الثانية، في هذا الطرح، أنه يعتبر «التعتير» و«الفقر» و«الجوع» كمعايير وثقافة للتغيير، وأن التغيير يأتي من الغضب، كحالة نهائية للتعبير الشعبي، أي أنه يحدد، في هذه الحالة، المعركة على أساس أنها معركة ما بين جائع وغير جائع، وما بين من هو معتّر ومن ليس معتّراً، أي أنه يقول، بشكل مباشر، أو غير مباشر، لمن هو معطّل عن العمل، إن عدوك المباشر هو من يقتني وظيفة، أو يقول لمن يحصّل أجراً زهيداً إن عدوك المباشر هو من يحصِّل أجراً افضل.

وهذا الخطاب ينفي أولاً حقيقة أن عدم التوازن، في القدرة المعيشية، هو من إنتاج النظام نفسه، وأن النظام الاقتصادي والسياسي القائم هو ما ينتج الفروقات في الأجر؛ وهو ما يحدد، لضمان استمرارية التنافس ما بين الناس والعمال/ات، خصوصاً، الفروقات في الأجر والمدخول؛ وأنه، هو أيضاً، الذي يحدد ما هي الوظائف التي يجب ان تحصّل أجراً زهيداً، وما هي تلك التي تستوجب أجراً عالياً، فيفصل ما بين العمل الماهر وغير الماهر، وان هذا النظام الطبقي هو من يحدد أن ما يحصّله عامل ما في آخر الشهر يعتمد على قيمة هذا العمل في السوق، وليس على قيمة هذا العمل في تمكين عجلة الانتاج.

من هنا، فإن هذا الخطاب كان يفرز، فعلياً، ما بين عامل/ة وآخر/ى، وهذه فعلياً ما كانت تردداته، على مستوى القاعدة الشبابية للحراك، فأصبح الناشطون والناشطات يعايرون ويعايرن انفسهم/ن على أساس من هو أكثر جوعاً، وأكثر فقراً، وأكثر تعتيراً، معتبرين أن سوء واقعهم/ن الاجتماعي يجعل منهم/ن أكثر صدقاً في مسعاهم التغييري.

إن هذا الفرز الشعبوي، في نتيجته، كان يحاكي نفس منطق سياسات السلطة، في سعيها الى ضرب التضامن ما بين الفئات الشعبية والاجتماعية، التي من مصلحتها التغيير، وفي نفس الوقت يحيّد الطبقة الحاكمة، وحاشيتها من الطبقات الوسطى، من المواجهة مع الحركة المتنامية في الشارع.

المشكلة الثالثة هي ان هذا الطرح ايضاً يتجاهل خاصية اساسية في نسيج الكوادر والناشطين والناشطات المنظمين للتحركات، إن كان مركزياً في بيروت، او في المناطق، ويمكننا الملاحظة من خلال التعارف البسيط أن الاغلبية الساحقة لهؤلاء الناشطين والناشطات هم من العمال/ات والموظفين/ات او من العمال والعاملات المستقلين (freelancer)، ومن شتى القطاعات الاقتصادية (الفنية والمصرفية والمكتبية والخدماتية وبعض الموظفين في القطاع العام، والمعلمين والخ…)، وأنهم، فعلياً، وفي اغلبيتهم الساحقة، من المتضررين المباشرين من النظام القائم وسياساته، وهم جزء من الطبقة العاملة والفئات الاجتماعية التي تسمى الفئات الشعبية.

ولكن كما كل منطق شعبوي فهو يتخذ قاعدته من البرجوازية الصغيرة، ولكن مع انحياز اغلبية البرجوازية الصغيرة الى الاحزاب الطائفية في لبنان، لم يجد هذا الخطاب ايقاعاً جدياً له في الشارع.

ب- الطبقة العاملة واليسار الشعبوي
إن ارتكاز اليسارية الشعبوية على خطاب متصالح مع السلطة، لم يعطها اي قدرة بتاتاً على استقطاب من هم فعلياً الاكثر تضرراً من جراء النظام الطائفي، والاكثر قدرة على اسقاطه.

فمستوى التنافس الطائفي، من ضمن الطبقة العاملة، التي تعمل اجزاء كبيرة منها، في اماكن عمل مشتركة، يتناقض مباشرة مع قدرة أفرادها، كعمال وعاملات مجْمِعين على تحصيل حقوقهم/ن، لذا لديهم مصلحة مباشرة وتاريخية في انهاء نظام الفصل الطائفي، لكونهم هم في واجهة الصراع مع منطق المحاصصة والوساطات في الوظائف، والى ما هنالك من تجليات طائفية، في الواقع اليومي المَعيش، في أماكن العمل.

وبالمقارنة فإن البرجوازية الصغيرة، وإن كانت تعاني من الكثير من الاضطهاد والفقر، ولديها قدرة كبيرة على التأثير، فهي بنفس الوقت ليست لديها القدرة التنظيمية، ولا السياسية، على قيادة هكذا تغيير، بسبب أن اغلبية العلاقات الاقتصادية المباشرة، في ما بين اعضائها (اصحاب الدكاكين، سائقي السيارات العمومية، وغيرهم)، هي علاقة تنافسية، ما يقلل من قدرتها على ان تكون هي الجسر الذي من خلاله نستطيع ان نبني تضامناً شعبياً جدياً.

من هنا فإن الطبقة العاملة هي التي لديها القدرة على استقطاب الفئات الاجتماعية والشعبية، وقيادتها في مشروع تغييري، وليس العكس.

ج- مركزية الطبقة العاملة في التغيير
إن مركزية الطبقة العاملة ليست خياراً تكتيكياً، بل هي منهج سياسي وفكري، استراتيجي وتكتيكي، في آن معاً، في كيفية بناء حركة شعبية. فالطبقة العاملة لديها القدرة على تحريك أجزاء كبيرة من المجتمع، والمسألة هي أن الطبقة العاملة، بفعل مكانتها في العَجَلة الاقتصادية، لديها موضوعياً قدرة أكبر على تنظيم نفسها وتنظيم فئات أخرى من المجتمع، وأنها تمتلك أدوات اقتصادية وسياسية واجتماعية، من أجل المواجهة والنضال ضد النظام، كما لديها قدرة تأثيرية عالية على المجتمع بشكل عام. والمثل الأفضل على هذه القدرة هو القدرة على الإضراب مثلاً، أو على التنظيم النقابي، أوالقدرات المهاراتية المختلفة، في المساهمة الطوعية من جانبها في بناء القدرة التأثيرية والتغييرية للحركة ككل. وهذا بدا واضحاً من خلال المهارات، التي تم استخدامها في الحراك، من أجل الاستقطاب وتنظيم المظاهرات ودراسة مساراتها والخ.

ولكن كون الطبقة العاملة لديها دورٌ مركزي في التغيير، لا يجعلها بالضرورة تمتثل لهذا الدور بشكل تلقائي، بل إنها تكتسبه، من خلال نضالها اليومي، وخوضها المعركة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، ومن خلال نضالها، تكتسب وعيها لكونها طبقة اجتماعية، وهذا هو الفرق بين خوض العمال والعاملات لنضالهم/ن، منفردين ومتفرقين، وخوضهم/ن لهذه النضالات كطبقة، أي أنهم يصعدون من وعيهم الطبقي الجنيني المباشر إلى وعي أكثر تجذراً ونضجاً، يطالبون فيه بالتغيير لأجلهم ولأجل المجتمع ككل.

ومن هنا تصبح مسألة مواجهة الطائفية والمطالبة بالمساواة وبالحقوق الاجتماعية شرطاً من شروط بناء الوعي الطبقي، وشرطاً من شروط الصراع الطبقي. فالتضامن الطبقي ليس فقط تضامناً اقتصادياً، بل هو أيضاً تضامن اجتماعي وسياسي، ومن هنا تصبح مسألة مركزية التضامن العمالي شرطاً من شروط المواجهة الطبقية، وخاصة في ظل النظام الطائفي، وعندها يترافق النضال الاقتصادي والنقابي العمالي مع النضال الاجتماعي والسياسي، ضد السلطة وهجماتها على الفئات الاجتماعية الشعبية، من خلال الفرز الطائفي والجنسي والعنصري والمناطقي والفئوي، الذي تسعى له هذه السلطة.

فالصراع الطبقي ليس فقط صراعاً ما بين العمال وأصحاب العمل، بل هو بداية صراع ضمن الطبقة العاملة، من أجل كسر هيمنة خطاب الطبقة الحاكمة على العمال والعاملات أنفسهم/ن، أي أنه محاولة لتشجيع الجسم العمّالي على التمرّد على الثقافة المهيمنة، وعلى القيادات المعيّنة، وعلى منطق استبدال حق العمال والعاملات، في بناء قدرتهم على المواجهة، ببعض المرتزقة المعيّنين من قبل الأحزاب الطائفية والسلطة.

ولكن مشكلة الشعبوية اليسارية هي أنها لم تستطع أن ترى أن مسألة الصراع الطبقي لا تعتمد فقط على الصراع الاقتصادي والمعيشي المجرّد، بل عليها أن تترافق مع الخطاب السياسي والاجتماعي الذي يعزز من قدرة الطبقة العاملة على المواجهة، ولم تستطع أيضاً قراءة الاختلافات الموضوعية في الطريقة التي يقارب بها كلٌّ من العمال والبرجوازيين الصغار مسألةَ الصراع، ولم تستطع أن تجيب عن كيفية توحيد الطبقة العاملة ومواجهة التشرذم الطائفي المنتشر، على مستوى الجسم النقابي والعمالي والشعبي، فبقيت، كحالةٍ، محاصرةً ضمن قوقعة مناطقية، وفي بعض الاحيان طائفية، وانتهت إلى عدم القدرة على الامتداد سياسياً، فما كان من أصحاب هذا النهج إلا اتهام الناس والشعب بالتخاذل، انتقاماً لفشلهم.

2) الطرح الاصلاحي:
بالاضافة إلى الطرح الشعبوي، نشأ طرح آخر لا يختلف جذرياً عن الشعبوية، في الخطاب، ولكنه يتخذ شكلاً مختلفاً. وهو كان أكثر ضرراً في تأثيره على الزخم النضالي، وعلى الحركة ككل. ويعتمد هذا الطرح بشكل أساسي على نفي القدرة على التغيير الجذري والثوري، وعلى أن هذا التغيير لا يمكن أن يتم إلا من خلال أجهزة الدولة، ومن خلال إقناع صانعي القرار بإصلاحات محددة تسهّل حياة الناس، ولكنها في نفس الوقت لا تصطدم بالمؤسسات الطائفية أو بالزعماء التقليديين.

وقد صعد هذا التيار، بشكل أساسي، مع اكتساب الحركة زخماً أوسع، في المظاهرة الثالثة، التي كان عنوانها الأساسي المساواة ومواجهة رموز النظام الطائفي. وصعود هذا التيار لم يكن مستغرباً، بل كان متوقعاً، فهو كان موجوداً من اليوم الأول، ولكنه لم يستطع، في المراحل الاولى، اكتساب أغلبية سياسية، داخل الحراك، تمكِّنه من الهيمنة على الخطاب السياسي للحركة.

أ- الأحداث التي أدت إلى صعود هذا التيّار في الحراك
أحد الأسباب الأساسية، التي أدت إلى تنامي هذا التيار، هو الالتفاف الذي قام به الحزب الشيوعي على الحركة وشعاراتها. ففي اجتماع مع أحد قياديي الحزب الشيوعي، قال هذا الأخير: «إننا لسنا مرتاحين للسقف السياسي للحراك، ونفضّل أن تكون الأولوية موجَّهة من أجل قانون انتخابي نسبي غير طائفي». ويقول قيادي آخر، من اتحاد الشباب الديمقراطي: «على الحركة أن تكون واجهتها ثورية، ولكن يجب أن يكون صلبها إصلاحياً». وهذا الالتفاف، فعلياً وواقعياً، كان أولاً التفافاً على جزء كبير من القاعدة الشيوعية والاتحادية نفسها، إذ كان الكثير منهم إلى يسار قياداتهم، وكانوا أكثر جرأة وجذرية، في مطالبهم، من قياداتهم.

هذا الالتفاف والارتباك مكّنا، من جهة، من صعود التيار المهادن والإصلاحي، وأيضاً من دخول الانتهازيين إلى الحراك، وفتح الباب لمشاركة أزلام النظام، في معركة إسقاطه، كبعض الانتهازيين الوصوليين الذين لم يتوقفوا ولو لساعة واحدة عن محاولاتهم لضرب الحملة، وتغيير شعارها. فقد أرادوها أن تكون رديفة للكتل السياسية والطائفية الحاكمة، وأهم تجليّات هذا الأمر هو فرض وجود الحزب القومي السوري الاجتماعي، وهو ركن في تحالف ٨ آذار/مارس، ولديه وزير في الحكومة، وهو، فعلياً، وكما صرّح أحد أعضائه، في أحد الاجتماعات، كان واضحاً في الإعلان: «نريد الحراك أن يكون حليفاً ل8 آذار، أو لا يكون»، «ومن يتكلّم عن الحزب القومي سوف نكسر له رجليه ويديه». وهذا هو مستوى الديمقراطية، التي كان يتوعدنا بها الحزب القومي!

الحزب القومي السوري هو حزب من صُلب النظام، هو حزب شارك وغطّى وصادق على سلسلة كبيرة من السياسات الطائفية، وفي معارك ضرب الجسم النقابي، والحركة العمالية. هو حزب شارك في نظام المعادلة الحريرية في تحالفها مع النظام السوري، وشارك في ما بعد، في معادلة ٨ و١٤ آذار الطائفية، هو حزب غسّان غصن (رئيس الاتحاد العمالي العام)، الذي يسعى يومياً بيديه ورجليه، من أجل ضرب الحركة العمالية، ومن أجل تقويض حقوق العمال والعاملات. هو حزب لن يتوانى للحظة واحدة عن محاولة فرض رأيه، ولو بالسلاح، وهو حزب سيدافع، وسيبقى يدافع، عن النظام وعن السلطة الطائفيين، لأنه جزء من معادلتهما، جزء من نسيجهما، السياسي والطبقي.

هذه التطورات كانت المحرّك الاساسي لضرب تطوّر خطاب الحركة، وتقويض حركتها، وإن تطلب ذلك الضرب والتهديد، ولكن من سمح بتعمّق الأزمة، في الحركة ككل، إنما هو محاولة قياديي الحزب الشيوعي في الحراك، حينها، إعطاء الشرعية لهؤلاء الانتهازيين، وللحزب القومي، بحجة الديمقراطية وتوسيع المشاركة، وكما كان يقول أحد الناشطين الشيوعيين في الحراك: «الحزب القومي يضمن مشاركة أعداد أكبر في المظاهرات».

ولكن تلك «الديمقراطية»، التي كان ينادي بها الحزب الشيوعي، كانت تنتهي يومياً، أمام رفضه لرأي أغلبية واسعة من الناشطين والناشطات، والأطراف السياسية، التي رفضت مشاركة أحزاب السلطة في الحراك، كالحزب القومي، أو امتناعه، مثلاً، عن الالتزام بما يُتفق عليه سياسياً في الحراك، فقام جماعته بالتشارك مع الحزب القومي وبعض الأزلام الانتهازيين الآخرين، في ضرب الاجتماع المقرر من أجل التصديق على ورقة المبادئ، التي عملت عليها لجنة موسّعة لحوالى أكثر من ثلاثة أشهر، فرغم موافقة المندوبين الشيوعيين على الورقة، في اجتماعات اللجنة، قاموا وعارضوها في الاجتماع العام.

هذه العوامل هي التي أدّت إلى دفع الحراك بمجمله إلى حالة من الارتباك السياسي، والتي أدت، على امتداد الأسابيع إلى اندثار الزخم، ومغادرة الكثير من الناشطين/ات الحراك، كما أدت أيضاً إلى تغيير مجرى التحركات، من خلال عمليات تصويت مفبركة كان يقوم خلالها بعض الشيوعيين بالاتصال برفاق لهم ليأتوا الى الاجتماع للتصويت الى جانبهم. ومن ينكر هذه الحوادث المتكررة ليس عليه إلا أن ينظر إلى المشاركين في الاجتماعات، كيف كانوا في بادئ الامر، في أغلبيتهم، من الناشطين المستقلين، فيما كان ممثلو اليسار الثوري والأحزاب التقليدية المختلفة بأعداد محدودة، وكيف كانوا، في أغلبيتهم، في البدء، من الشباب والشابات، ومن ثم تحوّلت الاجتماعات بعد ذلك إلى بازار للمنظِّرين، وللكوادر الوسطى والعليا للأحزاب اليسارية والقومية التقليدية، وبينما قلّت مشاركة الناشطين والناشطات، وبقي بالمواجهة اليسار الثوري وعدد لا يستهان به من الناشطين والناشطات الملتزمين بالخط الثوري.

ب- التغيير الديمقراطي
كثيرة هي الحجج السياسية التي استخدمت من اجل الدفاع عن النهج الاصلاحي، على أنه الوسيلة الفضلى للتغيير، ولكننا سوف ننظر، هنا، إلى النهج الاساسي، الذي استخدم في الحراك، وهو نظرية التغيير الديمقراطي. والمفهوم الذي ترتكز عليه هذه النظرية هو ان التغيير لا يمكن ان يأتي إلا من خلال التدرّج الديمقراطي. فالحركة يجب أن يكون سعيها من اجل انجاح احزاب علمانية او يسارية تغييرية، والمعركة الاساسية سوف تحصل في البرلمان. وهذه الحجّة تقترح من جهة ان يكون الهدف المباشر لأي حراك هو اقرار قانون انتخابي نسبي لا طائفي، ومن جهة اخرى تقترح بشكل غير مباشر ان يقتصر عمل الحركة على حشد الدعم الانتخابي لهذه الاحزاب العلمانية واليسارية، وعلى تقديم اقتراحات قوانين ليقوم بعدها ممثلو تلك الاحزاب بالدفاع عنها في البرلمان؛ وهذا ما يسمونه نظرية التغيير الديمقراطي.

المشكلة الاولى، في تلك النظرية، هي أنها تراهن على قدرةٍ لدى القوى المشار إليها، غير مثبَّتة فعلياً، على الوصول الى البرلمان، وعلى أن الطبقة الحاكمة ستمتثل لهذه القيم الديمقراطية، وتسمح بأن يمر قانون انتخابي يؤدّي الى تقويض قدرتها على الهيمنة السياسية. وجميعنا يعرف كيف أنه مع انتخاب أي مجلس نيابي جديد توضع مسألة القانون الانتخابي على بساط المناقشة، ليعود فيقرّ، بشكل او بآخر، ليتناسب مع المصالح السياسية والمناطقية والطائفية للطبقة الحاكمة، وان القانون بنفسه ليس اكثر من اداة تستعملها الطبقة الحاكمة من اجل التمديد لسلطتها وشرعيتها، وكما توصف شعبياً، فالعملية الانتخابية ليست إلا مسرحية معروفة نتائجها حتى قبل الدخول الى صناديق الاقتراع.

وحتى وإن كانت آخر عمليتين انتخابيتين مشحونتين بالتنافس السياسي والطائفي، ولكنها فعلياً كانت كلّ مرّة تضمن اعادة انتخاب المعادلة الحاكمة، وإن اختلفت تسمياتها، ما بين معارضة وموالاة، أو ٨ و١٤ آذار، فما يختلف هو العناوين السياسية للانتخابات، ولكنها تضمن بقاء نفس الأحزاب والتيارات السياسية، التي تمثّل نفس الطبقات الاجتماعية.

المشكلة الثانية تكمن في أن هذه النظرية هي استبدالية، أي أنها تستبدل القوة الشعبية بقوة تمثيلية، وهي تختصر العمل الديمقراطي في التصويت في صناديق الاقتراع، وإن كانت تنادي، شكلياً، بالنضال الشعبي.

المسألة هنا، التي يجب أن نقف عندها، هي اذا ما كان هدف هذا النضال الشعبي هو بناء حركة شعبية واعية، تستطيع ان تقوم بإعادة انتاج الديمقراطية، ونقلها من كونها ديمقراطية زائفة (في واقعها الحالي)، إلى ان تصبح ديمقراطية فعلية تمثّل الإرادة الشعبية، وترتكز على مبادئ العدالة الاجتماعية والمساواة والعلمانية؟

فحدود نظرية التغيير الديمقراطي هي أنها في نهاية الامر ستقف مع الديمقراطية الرسمية بوجه ديمقراطية ينتجها الشارع، وهذا بالضبط ما يحدث في مصر، بعد الانتخابات الأخيرة، فالانتخابات اليوم فرزت ما بين قطبين، قطب ينهي الثورة ويقول إنها تُكمل في البرلمان، وقطب آخر يقول الثورة مستمرة في الميدان، في الشارع. وهذا لا يعني أن علينا مبدئياً عدم المشاركة في الانتخابات، بل ينبغي اعتبارها وسيلة، فقط، من اجل تنمية حركة الشارع وحالة التمرّد والثورة على النظام، لا أن تكون الانتخابات هي الهدف التغييري لحركة الشارع، وهنا التناقض الجذري ما بين المسألتين.

المشكلة الثالثة في هذا الطرح هي أنه يهدد استقلالية الحركة نفسها، وهذا ما نراه يحصل دائماً امام كل استحقاق انتخابي، إمّا لإقرار القانون الانتخابي، او في العملية الانتخابية نفسها، فراينا كيف قام الحزب الشيوعي في انتخابات الـ٢٠٠٩، بمحاولة للتقرب من جماعة ٨ آذار، لضمان حصوله على مقاعد نيابية، ومن ثم بعد فشل تلك المحاولة دخل الشيوعيون التقليديون الانتخابات، منفردين، ولكن بفعل عملية التقرّب تلك خسروا الكثير من التضامن الذي كان بإمكانهم تحصيله، لو أخذوا موقفاً مستقلاً وجريئاً من الطبقة الحاكمة وأحزابها.

هذا وقد رأينا أيضاً مؤخراً كيف كثرت الأصوات، في الحزب الشيوعي، التي أعلنت استعدادها لمساندة النسبية، وإن كانت من داخل القيد الطائفي، وهذه الأصوات أتت ممَّن يريدون للناس أن تأتمنهم على أصواتها، في صناديق الاقتراع. ومتبعو هذا النهج هم من كانوا الاكثر اصراراً على توجه المظاهرات الى المجلس النيابي، كما حصل في التحركات التي تلت مظاهرة ساسين - وزارة الداخلية (في ٢٠ آذار/مارس ٢٠١١)، ورأينا جميعاً تناقص الأعداد والضياع السياسي الذي انتجه هذا النهج، على مستوى الحركة، فقد كان من المبكر حينها التوجه الى المجلس النيابي للقول إننا نريد اسقاط المجلس النيابي. فالنظرة الطبيعية التي تكوّنت عن هذا التوجه هي أن على الحركة طرح مطالب اصلاحية محددة، وهذا فعلياً ما كان يريد اعضاء هذا التيار من الحراك ان يفعل، وان يقتصر عمل الحراك على الضغط من اجل بعض القوانين، ولكن معاذ ان يطرحوا مسألة إعادة تشكيل السلطة بأكملها، او تغيير النظام بمجمله، وليس فقط وجوه ورموز النظام.

3) حدود الطرح الشعبوي والاصلاحي وعلاقتهما بالسلطة
إن كلاً من هذين الطرحين في اي عمل لهما يصطدمان بحائط مسدود، وهو أنهم غير قادرين على تخطّي مسألة شرعية النظام القائم، وكلاهما ينطلقان من قناعة بعدم قدرة الشارع على انتاج نظام بديل، ويعتبران ان المشكلة فقط هي في الفساد، الذي يحكم عمل الدولة والسلطات القائمة. اي بشكل بسيط، هم يعتبرون انهم يستحقون ان يكون لهم مكان او بعض الكراسي، في معادلة النظام القائم، وليس اكثر.

وانطلاقاً من هذه النزعة البرلمانية، من جهة، ومن عدم الاستعداد لإزعاج نسيج الافكار المهيمنة في المجتمع، من جهة اخرى، يسعى كل من التياريين الى اقصى درجات المهادنة والتنازلات اليومية في المواقف والمبادئ السياسية، وذلك من اجل، بحسب تبريرهما، كسب فئات شعبية اكبر. وهم يتناسون أنه لو كانت الافكار السائدة في المجتمع هي فعلاً تقدمية، لما احتجنا لإنشاء تحالف من اجل التغيير، فكلاهما ينطلق من مواقع دفاعية وليست هجومية تغييرية، لأنهما ينطلقان من قبول ضمني بالانحياز الى احد اطراف السلطة، اي ان ميدان الصراع السياسي، بالنسبة إليهم، هو توازنات السلطة نفسها، وليس إعادة تشكيل هذه التوازنات.

ومن هنا نفهم لماذا كان اصرار الحزب الشيوعي ومن يدور في فلكه على الإبقاء على التحالف مع الحزب القومي السوري، من جهة، وعلى عدم اقفال الباب امام مشاركة أزلام تحالف ٨ آذار الحاكم في الحراك، وذلك بالرغم حتى من اعتراض بعض مناصري الحزب على هذا الامر. وهذا ما ادى في النتيجة الى انخفاض سقف الخطاب السياسي للحراك بمجمله، وضرب مصداقيته واستقلاليته.

وهذه الاستراتيجية ليست استراتيجية جديدة، بل انها ثقافة عمل سياسي طويل، لطالما اعتمدتها الاحزاب الستالينية والقومية، وهي ما يعرف باستراتيجية الجبهة الشعبية، التي كانت لها نتائج كارثية عبر التاريخ، كما على الحراك بمجمله، كما حصل مع منظمة التحرير الفلسطينية، والحركة الوطنية، في تاريخ غير بعيد، ومع الأحزاب الشيوعية، في أوروبا، قبل الحرب العالمية الثانية، بوجه خاص، التي ادى سلوكها هذا إلى إنقاذ برجوازيات بلدانها، وتأجيل انتصار القضية الاشتراكية الى تاريخ غير معلوم، فضلاً عن صعود الفاشية كنتيجة لهذه السياسة، وسياسات انتهازية، غيرها، وكوارث الحرب العالمية المشار إليها، إلى ما هنالك من تجارب اخرى.

ومن هنا ينطلق مبدأ الاولويات، التي تمثّلت فعلياً، لدى أصحاب هذا النهج المشار إليهم أعلاه، بالانصراف كلياً إلى الدعوة للنضال من أجل اعتماد نظام انتخابي نسبي، بحيث يصبح كل مطلب آخر مؤجّلاً الى ما بعد تحقيقه. كما أننا نرى هذا المنطق في كيفية مقاربة مناصري ذلك التيار لكثير من القضايا الاساسية والمركزية في الحراك.

ففي مسألة المساواة، مثلاً، كانت هناك محاولات عدة من أجل ضرب الأسس السياسية لهذا الشعار، إما من خلال الاستهزاء بالاقتراحات الداعية الى تمكين وتفعيل دور المرأة في الحراك نفسه، او من خلال حجج عدم التصادم مع المجتمع. وكما يقول أحد قياديي تيار المجتمع المدني: «اننا نريد استقطاب الطائفي الينا ومن ثم نعمل على توعيته»، وتم العمل من قبل هذه الاطراف على دفع ممثلات المجموعات النسوية الى الانسحاب من الاجتماعات، على اثر الاستهزاء والذم الرخيص بالاقتراحات التي تقدمن بها.

ولكن الازمة الاكبر هنا فتكمن في أنهم لم يعتبروا ولو للحظة واحدة انهم فعلياً كانوا ايضاً يضربون الركائز الاساسية التي قام عليها الحراك سياسياً، والتي تلخصّت في النداء الثاني للحراك، بعناوين العلمانية والديمقراطية والمساواة والعدالة الالجتماعية والمحاسبة.

ومن ضمن هذا المنطق، كانوا يضربون قدرة الحراك على استقطاب القوى الساعية للتغيير، إذ تحت شعار الهروب من الامور التي تتصادم مع الافكار السائدة في المجتمع، كانوا يقفلون الباب امام مروحة واسعة من الحملات الداعية للمساواة والحقوق الاجتماعية، التي كانت الرافد الاساسي في السنوات الماضية لجميع التحركات المدنية والسياسية والاقتصادية. أي انهم في واقع الامر قد تخلّوا عن جسم واسع من الناشطين والناشطات، خصوصاً الذين كانوا في مقدمة معارك الحقوق الاجتماعية والمدنية، في السنوات الاخيرة، كمجموعة نسوية، بالإضافة الى عدد كبير من الناشطات الحقوقيات واليساريات.

أصبحت المعادلة فعلياً هي التضحية بالخطاب والقوى التغييرية، من اجل استقطاب قوى امر الواقع وازلام النظام، وهذا بدا واضحاً على صعد مختلفة.

وفي مسألة المقاومة، كانت الازمة أعمق، وتمثّلت بالخطاب الملحق لليسار التقليدي والاحزاب القومية، التي لم تستطع، في سياساتها المانوية، ان تدعم كل من يقاوم الاحتلال، وبنفس الوقت أن تنتقد أداء قيادة المقاومة الحالية، المتمثلة بحزب الله، وخاصة انه احد الاحزاب الحاكمة في السلطة. فكانت تلك الاطراف تنادي دائماً بتحييد حزب الله خصوصاً، وتحالف ٨ آذار، عموماً، عن الانتقاد، بذريعة كونهما قوى «مقاومة»، وتتجاهل اولاً ان معظم روافد تحالف ٨ آذار، مثلهم مثل روافد تحالف ١٤ آذار، كانوا مشاركين أساسيين في الحرب الاهلية، وقذاراتها، التي امتدت من ١٩٧٥ حتى الـ١٩٩٠.

هذا ويقول قيادي في «الحركة الوطنية للتغيير»: «لا يمكننا المقارنة ما بين الحريري ونبيه بري (رئيس مجلس النواب)، فنبيه بري مقاوم». ولكن هذا القيادي الفذ يتناسى مشاركة بري في حرب المخيمات، التي ساهمت في قتل آلاف الفلسطينيين، او المعارك بين جماعة بري واليسار، التي ادت الى ضرب اليسار بمجمله، ضمن تحالف مع النظام السوري، في الثمانينيات من القرن الماضي، او بنية تنظيم حركة أمل الميليشياوية والطائفية، ودوره في تدمير العمل النقابي، الى ما هنالك من امور مشينة، هذا من دون الكلام على عمله، المزعوم مقاوماً، وربما التعبير الادق لهذا العمل هو التصفيات الفئوية، والمذهبية.

والمسألة الثانية الاساسية هنا هي ان حزب الله، وان كان حزباً مقاوماً، فإنه في واقعه التنظيمي والسياسي حزب طائفي، لا يمكنه ككيان طائفي ان يوحّد المجتمع اللبناني على شعار المقاومة، بل اننا بحاجة الى بديل سياسي في طرح هذه المسألة، بحيث لا تكون احتكاراً طائفياً بل تصبح حقاً وواجباً وطنيين، اي ان ننادي بجرأة بضرورة بناء مقاومة وطنية علمانية وشعبية، لأن المسألة هنا هي مسألة استمرارية المقاومة نفسها. وها قد رأينا كيف ان حزب الله، بسبب كونه حزباً طائفياً، دخل في وحل السياسية اللبنانية، من بابها العريض، فتحوّل خطابه في السنوات القليلة الماضية من خطاب نُعت بالوطني، الى خطاب فئوي وتحاصصي، والجملة الشهيرة لنصرلله «خذوا الاقتصاد واتركوا لنا المقاومة»، اي ان الاقتصاد هو احتكار سنّي والمقاومة احتكار شيعي، لربما تكون الاكثر تعبيراً عن هذا النهج، الذي كان فعلياً المعادلة التي انتهجها الحريري الاب في حكوماته المتعاقبة قبل اغتياله.

وهنا يتبيّن لنا كيف ان اليسار التقليدي والاحزاب القومية عموماً، هم غير قادرين، حتى اليوم، على الصعود بخطاب بديل يستطيع ان يجمع الشارع اللبناني حوله، بل إنهم لا زالوا مرتهنين بثنائيات النظام السياسي القائم، وغير قادرين على بناء قوّة سياسية تستطيع ان تقوم بمقاومة وطنية غير طائفية وغير فئوية، بل انهم يصرون على استراتيجية اثبتت فشلها في الحرب الاهلية، وهي التحالف المباشر مع البرجوازية «الوطنية»، من اجل بناء التغيير، الذي لا تريد تلك البرجوازية تطبيقه، حتى بصيغه الدنيا، بل انها غير قادرة موضوعياً على تطبيقه، بسبب بنيتها الطبقية، ومدى علاقتها بالنظام الطائفي والسياسي والاجتماعي القائم، واستفادتها منه.

وهذا ما جعلهم ايضاً غير قادرين بتاتاً على الاستفادة من زخم الثورات العربية، التي تنهض بالمجتمع العربي بمجمله، في ربما اكبر معركة يخوضها الشارع العربي ضد الديكتاتورية والامبريالية معاً، لأن هذه الديكتاتورية العربية والامبريالية هما وجهان لعملة واحدة، يبرران بعضهما البعض، ولأن الانظمة العربية تعتاش على الاحتلال والحروب والتدخل الاجنبي الدائم، ولا تستطيع ان تقوم ببناء مجتمع عربي حرّ ومتحرر.

وهذا الفخ هو بالضبط ما وقع فيه اليسار الستاليني والقومي في لبنان، وخاصة في مسألة الثورة السورية. ففي كل ثورة في العالم هناك الناس المنتفضون - وهذه الانتفاضة هي شيء فعلي حقيقي ونتيجة واقع اقتصادي واجتماعي، ونظام قمعي مجرم - وقوى انتهازية كالاخوان المسلمين في سوريا، تريد ان تستغل هذه الانتفاضة لأجل مصالحها الفئوية. هناك قوى تغييرية اصلاحية، وهناك قوى ثورية، وكل هذه التيارات تحاول ان تدفع باتجاهات سياسية مختلفة. وكانت تجربة المجلس الوطني السوري، وعدم قدرته على تثبيت سلطته السياسية على الهيئات المحلية، التي تنظم تفاصيل الثورة وتنطلق بها يومياً على الارض، هي البرهان الاكثر وضوحاً على مدى تشعّب وكثرة التيارات السياسية، وانها في كثير من الحالات، في فترات تشكلّها الاول، بسبب تاريخ طويل من القمع السياسي، الذي عاشه وعاناه، طويلاً، المجتمع السوري.

فبدل ان يقوم هذا اليسار، الستاليني والقومي، بالوقوف بوجه النظام والانتهازيين ودعاة التدخل الاجنبي، من منطلق الدفاع عن الثورة، ومن اجل استمرارها، وقف الى جانب النظام، وبكل وقاحة، ها هو يبرر القمع والقتل الوحشي، وبفعله هذا يبرر حق اي نظام رجعي قمعي، تحت حجة المؤامرة، في القضاء على ثورة شعب. وسيضحي هؤلاء اليوم وغداً، كما ضحوا البارحة، باي حراك شعبي تغييري، من اجل المحافظة على المعادلات الحاكمة.

وفعلياً، لقد تركوا الساحة لجماعة ٨ و١٤ آذار ليستخدموا الثورات العربية، كل منهما لمصالحه الطائفية والسياسية الخاصة، فتيار المستقبل يعتبر الثورة البحرينية اندساساً شيعياً، وحزب الله يرى في الثورة السورية مؤامرة امبريالية، متحالفة مع الانظمة السنية (المعتدلة)، ضد الانظمة الممانعة (الشيعية والعلوية) - هذا هو نطاق فهم الثورات العربية، لدى كل من هذين الطرفين.

وهذا الحياد الى جانب النظام السوري من قبل اليسار الستاليني والقومي ادّى ايضاً لضرب قدرة الحراك، المناهض للنظاام الطائفي، في لبنان، على الاستفادة من زخم الثورات العربية، بل إن ما كان الدافع للانطلاق للتغيير، اصبح بتعريفهم اليوم جزءاً من مؤامرة عالمية، وبهذا يتم ضرب الثقافة الحاضنة، التي جعلت من حراك اسقاط النظام الطائفي ورموزه ممكناً.

أما الجهة الاخرى من هذا التيار الاصلاحي فكانت بشكل اساسي مؤلفة من بعض «يسار» ١٤ آذار وبعض الليبراليين، الذين: ككتلة، لم تكن لهم مشاركة مباشرة في عمليات التنظيم وبناء الحراك، بل اقتصر تدخلهم من على صفحات التواصل الاجتماعي، بخطاب يتعارض مباشرة مع خطاب اليسار الستاليني والقومي، ولكنه لا يتناقض معه. فكان يسار ١٤ آذار يقول وبشكل مباشر إن على حملة اسقاط النظام الطائفي ورموزه أن تنطلق من مبادئ «ثورة الارز» في ١٤ آذار من العام ٢٠٠٥، وانه يجب على الحملة ان تحافظ على المناصفة ما بين المسيحيين والمسلمين في المجلس النيابي، وان توجه المعركة ضد جماعة ٨ آذار فقط، والشرط الاساسي هو اتخاذ موقف حازم من سلاح حزب الله.

فمنطق جماعة ١٤ آذار، أيضاً وأيضاً، يدعو الحركة الى التحالف مع قطب من الطبقة الحاكمة ضد آخر، ومعاذ ان يتم اتخاذ موقف من النظام برمته، او من بنيته الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. وهذا ما عبّر عنه الكثيرون منهم، من على مواقعهم، بينما جزء آخر كان يعتبر ان الحراك المناهض للنظام الطائفي برمته حراكً تابعً لـ٨ آذار، بالرغم من أنه، في المظاهرات الثلاث الاولى، كانت الشعارات واضحة في عدائها لقطبي الصراع الطائفي السياسي. ولكن اثرهم كان ضعيفاً جداً، على مستوى اغلبية الناشطين/ات في الحراك، ولم يستطيعوا ان يستقطبوا اي حالة سياسية من حولهم.

4) الطرح الثوري ومسألة اسقاط النظام ورموزه
قد يحاول البعض القول إنه، حتى اقتراح وجود طرح ثوري هو ادعاء ومزايدة على الاطراف السياسية، او هو تطرف يساري، ولكن المسألة التي يتجاهلها هؤلاء هو أنه لا يمكنك ان تتخلص من النظام الطائفي إلا من خلال الثورة، وأن هذا النظام لا يمكن العمل من داخله لتغييره، ولو كان ممكناً الاصلاح لحصل ولو لمرة واحدة منذ نشأة النظام اللبناني. ويتجاهل هؤلاء ما انتجته الاستراتيجية الاصلاحية والمهادنة مع النظام للحركة الوطنية من كوارث على الحركة اليسارية والتغييرية في مجملها في لبنان.

وكان هذا الطرح واضحاً جداً داخل الحراك من اليوم الاول، وكان يرتكز على مقاربة واضحة المعالم في قراءة النظام الطائفي وعلاقته مع النظام الطبقي الاقتصادي والاجتماعي، ومن يتحمل مسؤولية هذا النظام. والاثبات الاقوى على هذا الخطاب هو النداءات الاولى الثلاثة، ومسار التحركات الذي اتبعه الحراك حينها، لنرى الفرق بينها وبين النداءات التي تلتها ومسار تحركاتها، والتي باختلافها عبّرت عن تغيّر في الاستراتيجية العامة لعمل الحراك، وهذا ترافق مع ما ذكر سابقاً عن صعود التيار الاصلاحي.

إن الطرح الثوري، في الحراك، انطلق على اسس واضحة كانت تُردَّد بشكل دائم، في اجتماعات الحراك والمظاهرات والنقاشات. وذلك من خلال قراءة تتلخص بالركائز التالية:

أ- كيف ندفع الى تحوّل في الوعي الشعبي للانتقال من حالة النقمة الى حالة التمرّد والثورة
في بلد كلبنان، نجد أن الوعي السياسي المهيمن متجاذب ما بين قطبين يتناوبان على الحكم، وفي نفس الوقت هناك نقمة عامة لدى الناس على الواقع الذي يعيشونه، ولكن هذه النقمة لم تتحوّل بعد الى تمرّد على الواقع المعيش، بل لا زال هؤلاء مهادنين له وخائفين منه في نفس الوقت، وهذه هي فعلياً تركيبة الوعي المتجاذب في الاختيار ما بين وجهين لنفس النظام، ونفس السياسات، وان اختلفت نفحتها ولهجتها، وعلاقاتها الدولية والاقليمية. وبالطبع يجب ان لاننسى ان في خلفية اغلبية الناس هناك تاريخ وارث الحرب الاهلية اللبنانية.

وهنا، ومن اجل تحفيز هذه النقمة، للتحوّل الى تمرّد على الواقع، واستيعاب هذا الاخير من ضمن حركة شعبية ثورية تستطيع ان تكون بديلاً سياسياً، ولاحقاً تنظيمياً، للقوى الطائفية والسياسية القائمة، هناك ضرورة لبناء جسم استقطابي وتحفيزي شعبي، أيْ عمل يسعى الى جمع قوى التغيير واستقطاب مروحة واسعة من الفئات الاجتماعية العابرة للمناطق والطوائف، ويخطو اولاً من اجل كسر الحواجز التي تقسم ما بين الناس على اسس طائفية وجنسية وعنصرية واجتماعية، اي انتاج الارضية السياسية التي تسمح للناس عموماً، وللفئات الشعبية والعمال والعاملات خصوصاً، بالالتقاء والنضال معاً.

ان هذه المساحة التي على الحركة انتاجها ستكون رافعة اجتماعية لتطوّر الخطاب السياسي بمواجهة السلطة، اي اننا في مرحلة بناء وتصعيد ثوريين، من اجل الوصول الى كتلة حرجة نستطيع من خلالها ان نواجه النظام وندفعه الى التراجع وتقديم التنازلات بما يضمن استمرارية الحركة، بحبث تكون شروط المواجهة لصالحها، وليس ضدها.

وهذا بالضبط السبب الذي كان وراء دفع هذا التيار الثوري باتجاه الابتعاد عن التظاهر امام مراكز السلطة، كالمجلس النيابي مثلاً، لأن الحركة لا تزال في فترات نموها الاولى، وهي بحاجة الى المزيد من الزخم، قبل ان تتوجه الى ارض المعركة مع السلطة.

ولهذا السبب اختيرت مسارات المظاهرات، في التحركات الثلاثة الاولى، في مناطق هي بطبيعتها عمّالية وفقيرة، وذات نسيج طائفي مختلط، فكانت المسيرات الثلاث الاولى تمر في شوارع واحياء تقطنها الناس من طوائف مختلفة، تفرّق في ما بينهم طرق عامة وميليشيات الاحزاب الحاكمة، وذلك يقيناً منا ان هذه المناطق بالذات تمثّل الفئات الشعبية، التي نريد استقطابها الى خارج الاصطفافات الطائفية والى حركة تغييرية.

ومؤشر نجاح هذه الاستراتيجية هو مشاركة الناس الفعلية في المظاهرات، وخاصة في مظاهرة الدورة – شركة الكهرباء، ومظاهرة ساسين – وزارة الداخلية، حيث في الاولى كان المشهد الاكثر تعبيراً عن هذا التحفيز هو عندما قام احد الشبان القاطنين في منطقة الدورة (منطقة ذات اغلبية مسيحية وارمنية) بإزالة علم القوات اللبنانية عن شرفته وبالنزول للمشاركة في المظاهرة، او الارز الذي كان يرمى على رؤوس المتظاهرين، من شرفات المنازل على الملّا (منطقة ذو اغلبية مسلمة سنّية)، او مشاركة العائلات مع اطفالها، والمعلمين والمعلمات وفئات نقابية، وحملات اجتماعية، وغيرها.

هذا الزخم الاستقطابي ضاع تماماً إثر توجه التظاهرات الى المجلس النيابي، وهذا لا يعني ان تراجع الأعداد سببه فقط تغيير الاستراتيجية، ولكن التحوّل في الاستراتيجية والالتباس حول البنية السياسية، وحول مدى استقلالية الحراك عن القوى الطائفية، كانت من الاسباب المركزية لابتعاد الناس عن التحركات.

والمسألة التي ينطلق منها الطرح الثوري لمواجهة النظام اللبناني هي بالنظر الى كليّته، وإلى ما هي الاسلحة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، التي يستعملها النظام، ليبقي الناس تحت سلطته، ومن ثم البدء بتعرية النظام من هذه الادوات والاسلحة، حتى نستطيع اسقاطه.

ب- كيف تبسط الطبقة الحاكمة هيمنتها الطبقية والسياسية والطائفية على المجتمع؟
هذا هو السؤال الاساسي، الذي يجب ان ننطلق منه، لنعرف كيف نبني استراتيجية المواجهة مع هذا النظام، وفي عرضٍ بسيط نستطيع ان نلاحظ ان العماد الاساسي الذي تستخدمه البرجوازية الحاكمة، من اجل ابقاء هيمنتها، هو تصوّير المجتمع اللبناني بكونه كيانات طائفية منفصلة، لا يمكن جمعها إلا من خلال الصيغ التوافقية الطائفية، التي تصوغها البرجوازية الحاكمة، بحسب مصالحها الطبقية والسياسية والطائفية.

واكثر الاشكال وضوحاً لنوع الهيمنة هذا، هو تقسيم المناطق الجغرافية الشعبية والعمالية، خاصة، الى مناطق نفوذ سياسي وطائفي وامني. واهمية هذه الاستراتيجية للطبقة الحاكمة لا تنطلق من منطق طائفي فقط بل ايضاً من منطق طبقي، فمثلاً في المناطق الغنية تختفي هذه المظاهر الميليشياوية لتستبدل بالجيش وقوى الامن، بينما تستلم الميليشيات الطائفية الشوارع الداخلية للمناطق المتوسطة الدخل والضواحي.

قد تختلف اساليب الترويع والسيطرة والهيمنة، وتختلف نسب التسلح الظاهر، ولكنها جميعها مسلحة بطريقة او اخرى، وتتبع نفس المنطق في ضمان تقسيم المناطق الشعبية على اساس طائفي، ومنع اي اختلاط اجتماعي وشعبي، وهذا في بعض الايام يكون ظاهراً ومباشراً، ولكنه ايضاً مبطن، اي انه يضع حواجز وهمية ونفسية بين الاحياء المختلطة خاصة. ونلاحظ ذلك بشكل واضح مثلاً على طريق صيدا القديمة، ما بين الشياح وعين الرمانة، او في داخل برج ابو حيدر، ما بين حركة امل وتيار المستقبل، ونرى هذه الاشكال منتشرة في الضاحية الجنوبية، وفي النبعة وبرج حمود، وفي الضواحي المحيطة بالمدينة.

ونستطيع ان نتأكد بأن هذه الحواجز تسللت الى الوعي المباشر عند الناس، فيمكن ان تسأل اي شخص من بيروت حول اي منطقة، وهو يستطيع ان يعرف بسهولة من هو صاحب النفوذ في تلك المنطقة، أوذلك الحي.

ج- كيف نواجه النظام الطائفي والطبقي القائم؟
إن هذا التقسيم هو حاجز امامي لمنع تكوّن اي حركة شعبية، ولذا كان علينا دخول هذه المناطق وتحدّي هذا التقسيم بشكل مباشر، من اجل تقويض قدرة الاحزاب الطائفية على الاستقطاب، وان نظهر انفسنا مباشرة امام جمهور هذه الاحزاب، وان نربحهم الى جانبنا، ونقنعهم بأننا بديل فعلي من قوى الأمر الواقع، الحاكمة في لبنان.

وأهمية هذه الاستراتيجية ليست فقط في كونها تريد ضرب ادوات الفرز الطائفي، بل ايضاً لأنها تعمل على تكوين أطر التضامن الشعبي، والتضامن الطبقي العابر للمناطق والطوائف، وهذا بالضبط ما ازعج كثيراً احزاب السلطة، في ٨ و١٤ آذار، فهاجم الكثيرون من الزعماء التقليديين التظاهرات.

من هنا ربما نستطيع تلمُّس لماذا اراد اليسار الستاليني والقومي الابتعاد عن المناطق الشعبية، والاتجاه نحو المجلس النيابي. وهذا بسبب لكون هذه الاستراتيجية بالذات تؤذي علاقاته و«تقاطعاته» مع احزاب السلطة.
فمن موقع مواجهة ادوات الفرز الطائفي، نثبت جدية الحركة ومصداقيتها، في مواجهة النظام، ومن جهة ثانية نضمن امتداد هذه الحركة وتوسعها الى تحفيز استقطاب الفئات الاجتماعية والعمال والعاملات، خصوصاً الى موقع طبقي وسياسي مختلف ومتناقض مع خطاب الطبقة الحاكمة.

ولكن هذا الامر يتطلب نوعاً مختلفاً من التحالف والعمل الجبهوي عن الذي كان ينادي به الاصلاحيون. فالتيار الثوري كان ينادي بجبهة موحّدة تستطيع ان تجمع ما بين قوى التغيير الفعلي، من مكانة مستقلة تماماً عن النظام واحزابه، في شقي المعادلة السياسية، اي ان نواة هذه الحركة يجب ان تعتمد على صلابةٍ بالمواقف، وأن تتبع شكلاً تنظيمياً منفتحاً على قوى التغيير، ومغلقاً امام القوى الانتهازية والسياسية الموالية للنظام، وأن تتركز الاهمية الاساسية على توسيع مشاركة الناشطين والناشطات، واستقطاب الفئات الاجتماعية الشعبية، المختلفة، وليس على عقد الاتفاقيات والمساومات مع قوى هي ابعد ما تكون من التغيير والعمل الجبهوي.

وانطلاقاً من هنا، رأى التيار الثوري ان على الحراك ان يحدد سقفاً مبدئياً تقدمياً يستطيع من خلاله ان يستقطب القوى التغييرية، ويستبعد القوى الموالية للنظام. وكانت هذه بداية الانفصال الفعلي، التي تبلورت، في الاجتماع الذي سبق المظاهرة الاخيرة للحراك، حيث انقسمت الحملة الى نصفين، وسيطرت على النقاشات حينها مسألة الثورة او الاصلاح.

ولكن في هذا الانقسام، جرى ايضاً إثبات عدم قدرة التيار الاصلاحي (المؤلف من احزاب كبيرة نسبياً)، في حججه الاستقطابية، على ان يحرّك اكثر من مئتين وخمسين شخصاً، في مظاهرة من ٥٠٠ مشارك، ما اضعف حجتهم بشكل اساسي وخاصة ان الحجة الرئيسية وراء مسألة تخفيض سقف المطالب السياسية هو من اجل استقطاب الشارع ورفع مستوى المشاركة. بينما، من الجهة الاخرى، نرى انه، ومن بعد تراجع اعداد المشاركين في مظاهرات حراك اسقاط النظام الطائفي ورموزه، لم يهدأ الشارع، بعد، في لبنان، بل ان تلك الحركة وخاصة في مرحلتها الثورية، قد حفّزت نشوء الكثير من الحملات، وساهمت في زيادة عدد الناشطين والناشطات الفاعلين على الساحة السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وقد رأينا تطورات مهمة في الآونة الاخيرة، على مستوى الصراع على القضايا الاجتماعية، وخاصة مسألة حقوق المرأة، ومسألة تصحيح الاجور، وامور اخرى، ونرى بشكل لافت ان مشاركة التيار الثوري غير مجتزأة، في جميع هذه التحركات، بينما يقوم التيار الاصلاحي بمشاركة جزئية تختصر بمظاهرات الاجور مثلاً، ولا يشارك في مظاهرة من اجل اقرار قوانين ضد العنف على المرأة.

بالاضافة الى ذلك، فحتى في مسألة الاجور، وقع هذا التيار الاصلاحي في فخ دعم اقتراح شربل نحاس وزير العمل، الذي كان اقل من طلب النقابات؛ ورغم دعم التيار المذكور، عاد وزير العمل وتخلى عن اقتراحه امام التسوية التي تمت ما بين اقطاب التحالف الحاكم، وبموجبها تم التخلّي عن مطالب العمال.

اليوم المعركة لم تنته، بل انها تعود لتبدأ من ارضية مختلفة؛ ولقد رأينا ما فعل كل من الخطاب الاصلاحي والشعبوي بالحركة، لذا علينا أن نقوم بالحراك مجدداً، على اسس ثورية تقدمية ومستقلة عن قطبي المعادلة السياسية، ترتكز على كون الناس قادرين على التغيير، وعلى أن معركتنا الاساسية تبدأ اولاً بفعل الاستقطاب الشعبي، وبناء القطب السياسي البديل.

المشاركة تتزايد وتتراجع، تبعاً لظروف سياسية عدة، ولكن اليوم المسألة هي مسألة استمرارية الخطاب السياسي الثوري والتغييري، وأن يستقطب حوله فئات وحملات وناشطين وناشطات مؤمنين/ات فعلياً بالتغيير، بحيث يسعى الناس إلى التمرّد على هذه السلطة وليس إلى مهادنتها، لأن السلطة التي تسعى الى دمار شعبها ومجتمعها هي سلطة لا يعوَّل عليها، ويجب اسقاطها، هي ورموزها، وبناء نظام بديل مبني على اسس العلمانية والمساواة والديمقراطية والعدالة الاجتماعية.

ولا يمكن هنا الفصل ما بين هذه المبادئ، وهي كلها متوازية في اولويتها، وعليها جميعها ان تسير معاً، في الحركة. فكما رأينا كيف كان مثلاً الرمز الاول للثورة في المنطقة العربية، هو محمد البوعزيزي، الذي عانى البطالة والقمع الاقتصادي، فإن رمزاً آخر احتل وعي الجماهير العربية هو التضامن مع المرأة المصرية التي تواجه يومياً حكم العسكر. وهذه الرموز ليست مسائل عابرة، بل هي تعبّر عن تحوّل اساسي في الوعي الشعبي، وعن مطالب مركزية تتلاصق في ما بينها، من اجل تأمين استمرار الثورة، ومن هنا فإن مسألة المساواة لا تقل اهمية عن العدالة الاجتماعية والديمقراطية، وليس العكس.

وكذلك في مسألة العلمانية، فقد يحلو للبعض ان يصوّر العلمانية كفزاعة غربية تجتاح المجتمع العربي، ولكن هذا المنطق ساقط، وخاصة أن التيار العلماني، في المجتمع اللبناني، كان من اكثر الفئات حزماً، التي واجهت الامبريالية والاحتلال، وكان ولا يزال يرى في العلمانية موقعاً متقدماً للتحرر وحرية الرأي والتعبير والمعتقد، يراها في كونها حضناً للمساواة ما بين الناس ولنبذ العنصرية والفئوية والطائفية، كونها ركيزة سياسية لضرب النظام الطائفي، وسياسة التفرقة الطائفية والعنصرية والجندرية، وليست بتاتاً كما تحاول الانظمة الاوروبية ان تدفع بها بحيث تكون غطاءًً لسياساتها العنصرية، ضد العرب والمسلمين والأسيويين، وغيرهم، كما حصل في قضية الحجاب، في فرنسا، مثلاً.

من هنا ايضاً نستشف ان العلمانية والمساواة والعدالة الاجتماعية، والديمقراطية الحقة، بدأت تأخذ حيزاً اوسع في النقاش ضمن الحراك الثوري العربي، لأسباب شتى واساسية، وهي مثلاً صعود الحركة الاسلامية والسلفية على الساحة السياسية، في محاولة لاختطاف الثورة لصالحها؛ ورأينا كيف كان يحاول النظام المصري تعميق مستوى الاضطهاد ضد المرأة، من خلال فحص العذرية، محاولة منه لضرب الحركة وكسر اللحمة التي توصلت اليها على مستوى شعبي، ورأينا كيف صعدت بنتيجت ذلك حركة نسائية في مصر وخارجها؛ ورأينا كيف ان الطائفية اليوم تأخذ حيزاً كبيرة من سياسات الانظمة، لضرب الحركات الجماهيرية، ومن هنا ومن اجل ضرب هذه السياسات مبشارة، ولكي ننهي قدرة البرجوازية على استخدام الطائفية لضرب الطبقة العاملة، نحتاج الى العلمانية، لأنه ليس هناك من مهرب من مواجهة الحركات الدينية والطائفية، التي تكوّن، اليوم، الركيزة الاساسية لانطلاقة الثورة المضادة، التي تنادي بالتدخل الاجنبي واقتصاد السوق وتقليص الحريات العامة، والاستفزاز الطائفي، كما، بالضبط، ليس هناك مهرب من مواجهة قوى الانظمة الديكتاتورية العربية وحلفائها الاقليميين والعالميين.

لذا فإن هذه الشعارات ليس فقط باستطاعتها توحيد المجتمع اللبناني تحت رايتها، بل يمكنها ان تكون الاطار المفاهيمي الذي يستطيع ان يوحّد الثورات العربية، ويضرب قدرة الثورة المضادة على انهاء الحالة الثورية، ويمكِّننا من مواجهة الامبريالية والتدخل الاجنبي، من موقع التضامن الشعبي اللاطائفي، بحيث لا تنكسر حركتنا، بسبب سياسات التفرقة الطائفية.

بالاضافة الى ذلك، إن هذه الشعارات السياسية تستطيع ان تكون محطة انطلاق لضمان استمرار الثورة، وانتقالها من مكانتها المحلية، لتتحول الى ثورة شاملة ومستمرة، ثورة دائمة من أجل الاشتراكية.